وهذه المراسم ، إنما أدّاها الحاجّ امتثالا لأمر الله ، وولاء وطاعة لما أمر به ، وإنه ليس للعبد المؤمن بالله ، أن يراجع الله فيما يأمره به ، وأن يطلب الحكمة لهذا الأمر .. وإنما المطلوب منه ، هو أن يمتثل ، ويأتى ما أمر به من غير تردد .. فهذا ابتلاء من الله ، يبتلى به عباده ، ليظهر منهم ما هم عليه من طاعة أو عصيان. وقد كان أمر الملائكة بالسجود لآدم ، ابتلاء وامتحانا لهم ، فسجد الملائكة ، وأبى إبليس أن يسجد ، وقال : (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ ، خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) (١٢ : الأعراف). فكان من الهالكين ..
فهذه الأعمال التي يأتيها الحجيج ، هى امتحان وابتلاء لهم ، فى باب الطاعة والامتثال لأمر الله ، فى غير تردد أو مراجعة .. وإلا فهو العصيان والكفر .. نعوذ بالله منهما.
وتعالت حكمة الله .. فإنه سبحانه وتعالى ، لم يبتل المؤمنين بهذه الأعمال ابتداء ، ولم يلقهم بها على أول طريق الإيمان ، بل جاءهم بها بعد أن يكون المؤمن منهم قد قطع شوطا طويلا على طريق الإيمان ، حتى اطمأن قلبه به ، وسكنت نفسه إليه ، وثبتت قدمه عليه.
فأولا : فى مسيرة الدعوة الإسلامية ، لم يفرض الحجّ إلا فى زمن متأخر ، حيث فرض بعد الصلاة ، والصيام ، والزكاة ، وكان بهذا آخر ما فرض من أركان الإسلام.
وهذا يعنى أن المسلمين الذين خرجوا من الجاهلية إلى الإسلام ، قد التقوا بالحج ، بعد تلك الفترة التي عاشوها فى الإسلام .. يؤمنون بوحدانية الله ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويصومون رمضان .. وتلك فترة كافية لتثبيت قواعد الإيمان فى قلوبهم ، وإجلاء كل داعية من دواعى الوثنية والشرك منها.
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٩ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3351_altafsir-alqurani-lilquran-09%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
