ـ وفى قوله : (وَما كانُوا إِذاً مُنْظَرِينَ) تهديد لهؤلاء المشركين ، وأنهم إذا استجاب الله لهم ، ونزلت الملائكة عليهم كما يقترحون ، فإنهم لا ينزلون عليهم إلا بالهلاك والبلاء ، بعد أن نزلوا عليهم على يد رسوله بالرحمة والهدى .. وفى هذا يقول الله سبحانه : (وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ) (٨ : الأنعام)
وقوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) هو ردّ على هؤلاء المشركين الذين سخروا من النبىّ بقولهم : (يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) فجاء قوله تعالى : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) كبتا لهؤلاء المشركين ، وردعا لهم ، وإعلانا بما يملأ صدورهم حسدا وحسرة .. فقد أبوا إلا أن يجهلوا الجهة التي يقول النبىّ إنه تلقّى الذّكر منها ، فقالوا (نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ) ولم يقولوا ـ ولو على سبيل الاستهزاء ـ نزّل الله عليه الذكر .. فجاءهم قول الحق جلّ وعلا : (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ) بهذا التوكيد القاطع .. ثم جاء قوله تعالى (وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ) مؤكدا لهذا التوكيد .. إذ أنه سبحانه هو الذي يتولى حفظه من كل عبث ، وصيانته من كل سوء .. وهذا هو الدليل القاطع على أنه منزّل من عند الله .. فليحاولوا أن يبدّلوا من صورته ، أو يدسّوا عليه ما ليس منه .. فإنهم لو فعلوا ، لكان لهم من ذلك حجة على أن ليس من عند الله!
وقد حفظ الله القرآن الكريم ، هذا الحفظ الربانىّ ، الذي أبعد كلّ ريبة أو شكّ فى هذا الكتاب ، فلم تمسسه يد بسوء ، على كثرة الأيدى التي حاولت التحريف والتعديل ، فردّها الله ، وأبطل كيدها وتدبيرها .. وهكذا ظلّ القرآن الكريم ، وسيظل إلى يوم البعث ، حمى الله الذي تحرسه عنايته ، وتحفظه قدرته ، فلم تنخرم منه كلمة ، أو يتبدل منه حرف .. وتلك حقيقة يعلمها أولو العلم
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٧ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3349_altafsir-alqurani-lilquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
