«لقد تحجّرت واسعا»؟ أي ضيقت ما كان شأنه السعة ، وأدخلت نفسك فى جحر ، وكان بين يديك هذا الوجود الرحيب!
وهنا سؤال : كيف يدعو إبراهيم لوالده بالمغفرة ، وهو على ما كان عليه من كفر عنيد ، وضلال مبين؟ كيف ، والله سبحانه وتعالى يقول : (ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) (١١٣ : التوبة) وقد نزلت هذه الآية فى مشركى قريش ، الذين ماتوا على شركهم .. وقد كان النبىّ والمؤمنون يستغفرون لبعض هؤلاء المشركين ، فلما لفتهم الله سبحانه إلى هذا ، وكشف لهم عن مصير هؤلاء المشركين ـ أمسكوا عن الاستغفار لهم ..
وكذلك كان شأن إبراهيم عليهالسلام ، فإنه كان يستغفر لأبيه. على ما كان منه ، من جفاء وغلظة ، وعلى ما لقيه منه من عناد وإصرار على الكفر .. وذلك طمعا فى أن يهديه الله ، وأن يشرح صدره للإيمان ، فلما كشف الله له عن مصير هذا الأب ، تبرأ منه .. وفى هذا يقول الله تعالى : (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ) (١١٤ : التوبة).
وسؤال آخر : لما ذا وقّت إبراهيم غفران الله له ولوالديه وللمؤمنين ، بيوم القيامة .. (يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ)؟
والجواب على هذا ، هو أن يوم الحساب ، هو يوم الإنسان ، لا يوم له قبله ، وأنه إذا ربح هذا اليوم ، وظفر فيه بالنجاة من عذاب الآخرة ـ وهذا لا يكون إلا بمغفرة الله له ، وتجاوزه عن سيئاته ـ فذلك هو الفوز العظيم حقّا .. أما إذا خسر هذا اليوم ، ولم يكن فيمن شملهم الله بعفوه ومغفرته ، فذلك هو الخسران المبين ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٧ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3349_altafsir-alqurani-lilquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
