الله عليهم من فرائض ، كانت دعوة إبراهيم ربّه ، أن يجعل قلوب الناس تميل إلى هذا المكان ، وتنجذب إليه ، وتتعاطف مع ساكنيه ، فيكون لهم من ذلك رزق يرزقونه من تلك الأمم التي تجىء إليهم ، وتلتقى بهم ..
وفى هذا إشارة إلى أن حياة الإنسان لا تنتظم إلا فى جماعة ، ولا تكتمل إلا فى مجتمع ، حيث كانت دعوة إبراهيم أن يعمر هذا البلد بالناس ، وأن تتكاثر أعداد الوافدين عليه ، وذلك خير من الزرع والخصب .. فحيث كان الناس كان الخير ، وكان العمران! ..
وفى المجتمع الذي تتوافر للإنسان فيه وسائل العيش ، ويجد فى كنفه الأمن والسلام ـ فى هذا المجتمع تخصب العواطف ، وتزدهر المشاعر ، وتتفتح البصائر إلى كثير من حقائق الوجود .. وهنا يجد الإنسان وجوده الذي يستطيع أن يصله بالله ، وأن يوثق صلته به ، حين يجد الجو الذي يسمح له بالنظر والتأمل ، وهو مجتمع النفس ، مطمئن القلب .. ومن هنا أيضا يستقيم للإنسان دينه ، فيؤدى ما لله عليه من حقوق ، لا تشغله عنها شواغل الحياة ، ولا تدهله عنها مطالب العيش الملحّة ، المهددة للحياة!.
ـ ففى قول إبراهيم : (رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) .. تعليل كاشف عن أن إقامة الصلاة ، وما معها من واجبات مفترضة على المؤمن ، إنما تجىء بعد أن يجد الإنسان وجوده على هذه الأرض ، ويضمن لهذا الوجود بقاء واطمئنانا ..!
فالإنسان مع الحرمان الشديد ، ومع الجوع المهدد بالهلاك ، لا يجد العقل الذي يعقل ، ولا القلب الذي يخفق خفقات الوجد والشوق .. فإذا عبد الله فى تلك الحال ، عبده وهو شارد اللّب خامد الشعور .. ومثل هذه العبادة ولا يجد فيها العابد ريح ربّه ، ولا ينسم أنسام جلاله ، وعظمته ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٧ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3349_altafsir-alqurani-lilquran-07%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
