وقد جعلت شريعة الإسلام للناس أن يحيوا حياتين معا .. الحياة الدنيا ، والحياة الآخرة ، وأن يعملوا لهما جميعا ، بلا إفراط ولا تفريط ، فلا تطغى الدنيا على الآخرة ، ولا تجور الآخرة على الدنيا ، فكان مطلبهم من الله قولهم : (رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ) (٢٠١ : البقرة) .. فهذا هو عنوان الشريعة الإسلامية ، وهذا هو منهج المؤمنين بها .. يعملون للدنيا ، ويعملون للآخرة : (فَعِنْدَ اللهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) (١٣٤ : النساء).
يقول الراغب الأصفهانى :
«لم ينكر أمر المعاد والنشأة الأخرى إلّا جماعة من الطبيعيين ، أهملوا أفكارهم ، وجهلوا أقدارهم ، وشغلهم عن التفكير فى مبدئهم ومنشئهم شغفهم بما زيّن لهم من حبّ الشهوات.
«وأما من كان سويّا ولم يمش مكبّا على وجهه ، وتأمل أجزاء العالم ؛ علم أن أفضلها ذوات الأرواح ، وأفضل ذوات الأرواح ذوات الإرادة والاختيار ، وأفضل ذوى الإرادة والاختيار الناظر فى العواقب ، وهو الإنسان .. فيعلم أن النظر فى العواقب من خاصية الإنسان ، وأن لم يجعل الله تعالى هذه الخاصية له ، إلا لأمر جعله له فى العقبى ، وإلا كان وجود هذه القوة فيه باطلا».
ثم يقول الراغب :
«فلو لم يكن للإنسان غاية ينتهى إليها غير هذه الحياة الخسيسة المملوءة نصبا وهمّا وحزنا ، ولا يكون بعدها حال مغبوطة ـ لكان أخسّ البهائم أحسن حالا من الإنسان!»
* * *
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
