قوله تعالى : (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْناها مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُسٌ كَفُورٌ* وَلَئِنْ أَذَقْناهُ نَعْماءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).
هو عرض كاشف لحال الإنسان ، وموقفه من نعم الله ونقمه ..
فهو إذا أذاقه الله سبحانه وتعالى طعم نعمة من نعمه ، وذلك من رحمة الله به ، وإحسانه إليه ـ سكن إليها واطمأن بها ، وشغله الاستمتاع بها عن ذكر الله ، بل وعن الإيمان بالله ..!
فإذا نزع الله سبحانه وتعالى منه هذه النعمة ـ وذلك بسبب ما كان منه من انحراف عن الله ، ليكون له من ذلك نخسة تذكره بالله ـ إذا فعل الله سبحانه وتعالى ذلك به ، يئس من رحمة الله ، وكفر به وبآلائه ، ولم يعد يذكر شيئا مما كان لله عليه من فضل .. فإذا عاد الله بفضله عليه ، وأذاقه من رحمته ، لم يذكر الله ، وإنما يذكر نفسه ، ويشغل عن الله بالفرحة ، بزوال هذا البلاء الذي كان فيه ، ويستعلى على الناس تيها وفخرا.
وفى التعبير عن النعم بالرحمة ، إشارة إلى أنها من فيض رحمة الله على عباده ..
وفى التعبير عن زوال النعمة بالنزع ، إشارة إلى أن هذه النعمة كانت ثوبا ستر الله به من أنعم عليه بها ، فلما لم يؤدّ ما لهذا النعمة من واجب الشكر لله عليها ، واتّخذ منها سلاحا يحارب به الله ، ومطية يمتطيها إلى تخطى حدوده ـ انتزع الله هذا الثوب الذي كان يستره به ، وأخذه بقوله سبحانه : (ذلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ) (٥٣ : الأنفال).
وقوله تعالى : (إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) ـ هو استثناء من هذا الحكم العام الواقع على الإنسان فى جنسه كله ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
