وليس نوح وحده هو الذي دعا دعوة الحقّ ، وحمل رسالة السماء بالهدى والإيمان إلى عباد الله ، بل هناك رسل كثيرون ، جاءوا إلى أقوامهم بما جاء به نوح .. يحملون آيات بينات من عند الله ، ولكن الناس هم الناس ، والقوم هم القوم ، (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) .. فلم يستجيبوا للرسل ، ولم يأخذوا بالهدى الذي معهم ، ولم يخلوا قلوبهم من الضلال الذي انعقد عليها وسكن فيها .. (كَذلِكَ نَطْبَعُ عَلى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ) أي نختم عليها ، فلا يدخل إليها شعاع من نور الحق ، ولا يطلع عليها صبح اليقين .. إنها فى ظلام دامس دائم أبدا .. وفى هذا تهديد لمشركى قريش ، إذ هم فى معرض أن يؤخذوا بما أخذ به قوم نوح ، فقد طبع الله على قلوبهم مثل ما طبع على قلوب قوم نوح من قبلهم.
ـ وفى قوله تعالى : (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) .. إشارتان :
الإشارة الأولى : أن هؤلاء المكذبين الضالين لم يكونوا ليؤمنوا أبدا ، ولو جاءتهم كل آية .. وهذا هو السر فى اختلاف النظم باستعمال فعل المستقبل ، ليؤمنوا ، وكان ظاهر النظم يقضى بأن يجىء الفعل ماضيا ، هكذا : فما آمنوا ، ليتّسق مع قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ) فما آمنوا أو فلم يؤمنوا .. ولكن جاء النظم القرآنى : (فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا) ليدل على عدم توقع الإيمان منهم مستقبلا ، ثم ليتسع الفعل المضارع لقبول لام الجحود «ليؤمنوا» .. ليؤكد عدم توقع الإمكان منهم بحال أبدا ..
والإشارة الثانية : هى فى قوله تعالى : (بِما كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ) .. فالذى كذبوا به من قبل ، هو الإيمان بالله ، إذ كانوا قبل أن تأتيهم الرسل منكرين لله ، مكذبين بوجوده .. وقد انعقدت قلوبهم على هذا ، فلم يكن لدعوة
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
