هكذا شأنهم مع صغير الأمور وكبيرها ، ومع قريبها وبعيدها .. فإذا جاءهم أمر تلقّوه سلفا بما تموج به صدورهم من نزعات وأهواء ، فإذا جاء الأمر على وفق أهوائهم ، وجرى على طريق نزعاتهم ، قبلوه ، واطمأنوا إليه ، وإلا أنكروه ، وتنكروا له!
وهم مع القرآن ، بادءوه بالإعراض والتكذيب قبل أن ينظروا فيه .. ومن نظر منهم إليه ، نظر نظرا منحرفا ، باردا .. فكذبوا بالبدهيات ، كما كذبوا بما يحتاج إلى بحث ونظر ، وإمعان .. (بَلْ كَذَّبُوا بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) أي كذبوا بما لم يقع لهم منه علم أصلا ، لأنهم لم ينظروا فيه ، ولو نظروا لعلموا ، ثم كذبوا بما لم يأتهم تأويله ولم يدركوا أسراره ، لأنهم لم يطيلوا البحث ويمعنوا النظر ، ولو فعلوا ، لجاءهم تأويله ، وانكشفت لهم بعض أسراره .. فهم على تكذيب بالقرآن أبدا .. يكذبون به قبل أن ينظروا فيه ، ويكذبون به بعد أن ينظروا فيه ، لأنهم يسبقون هذا النظر بمشاعر الاتهام ، فإذا نظروا لم ينفعهم النظر ، لأنه ـ كما قلنا ـ نظر شارد ، مستخفّ بما ينظر إليه ..
وقوله تعالى : (وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ) هو بيان لموقف المشركين من القرآن الكريم ، وتعاملهم معه ..
فهم فريقان .. فريق نظر فى القرآن ، وعرف وجه الحق فيه ، ولكن يأبى عليه كبره وعناده أن يخرج عن مألوف عادته ، وأن يتقبل الدّين الجديد ويترك مخلفات الآباء والأجداد .. وهذا ما يشير إليه القرآن الكريم فيما حكاه عن هؤلاء المشركين فى قوله سبحانه : (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللهِ يَجْحَدُونَ) (٣٣ : الأنعام)
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٦ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3348_altafsir-alqurani-lilquran-06%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
