قلوبهم سليمة عامرة بالإيمان ، تربط مشاعرهم بمشاعر المؤمنين المجاهدين فى سبيل الله .. فهم مع المجاهدين بمشاعرهم كلها. يدعون لهم بالنضر ، ويتمنون لهم الغلب والسّلامة ، ويخلفونهم فى أهلهم ، ويقومون على رعاية أبنائهم وأزواجهم ، وقضاء حوائجهم ، ورفع الضرّ عنهم ، ومواساة من أصيب منهم فى أب ، أو أخ ، أو زوج ، إلى غير ذلك ممّا يبعث فى نفس المجاهد الطمأنينة ، ويطلق يديه كليهما ، ووجوده كلّه ، للعمل فى ميدان المعركة ، ومواجهة العدوّ ..
وبهذا يكون المؤمنون جميعا فى ميدان المعركة. سواء منهم من شهدها وحارب فيها ، أو من تخلّف ، بما معه من عذر ، ونصح لله ورسوله ، فى سلوكه الطيب ، مع من يخلّفهم المحاربون وراءهم من أهل وولد ، وفى مشاعره المتجهة إلى المجاهدين فى ميدان القتال ، والدعاء لهم بالنصر وتمنّيه لهم ..
وقوله تعالى : (ما عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ) إشارة إلى أن هذا الذي يبدله المتخلفون من ذوى الأعذار ، من نصح لله ورسوله ، وراء جبهة القتال ، هو غاية ما فى مستطاع هؤلاء المتخلفين ، وهو ميدانهم الذي يكون لهم فيه عمل وإحسان .. (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها). فإذا أعطى المؤمن ـ فى باب الإحسان ـ ما وسعته نفسه ، فهو فى المحسنين ..
وقوله سبحانه : (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) إشارة أيضا إلى أن الذي يوجّه نفسه للإحسان ، ويعمل له ، هو محسن ، وإن قصّر فيما عمل ، ولم يبلغ غاية الإحسان .. فرحمة الله واسعة ، ومغفرته شاملة ، يتقبل من المحسنين أحسن ما عملوا ، ويتجاوز عن سيئاتهم ، كما يقول سبحانه : (أُولئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِمْ) (١٦ : الأحقاف).
وقوله تعالى : (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلَّا يَجِدُوا
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٥ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3347_altafsir-alqurani-lilquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
