أي قد سولت لهم أنفسهم أن يكونوا مع الخوالف ، ممن لا طول لهم ولا حول ، من المرضى ، والزّمنى ، وأصحاب العاهات والعلل ، والأطفال ، والنساء ، والإماء ، والعبيد ـ رضوا أن يكونوا مع هذه الطوائف من الناس ، وهم أصحاب طول وحول ، لم يكن يرضيهم أبدا أن يكون بينهم وبين هذه الطوائف أمر جامع ، أو صفة مشتركة .. فكيف وهم أصحاب الحول الطول ينزلون إلى هذا المستوي الذي يضيفهم إلى مجتمع الصبيان والعبيد؟ ولكن هكذا أرادوا أن يكونوا ، وهكذا صنعوا بأيديهم هذا الثوب الذي لبسوه .. ثوب الصّغار والامتهان.
وفى قوله سبحانه : (وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ) إشارة إلى أنهم وقد لبسوا ثياب المهانة والخزي بهذا الموقف الذي وقفوه ـ لا يدركون ما وقع عليهم من ذلة وهوان ، إذ كانت أعينهم فى عمى ، وقلوبهم فى غفلة ، وعقولهم فى ضلال.
وقوله تعالى : (لكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولئِكَ لَهُمُ الْخَيْراتُ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) هو عرض للوجه الآخر المشرق الوضيء من وجهى هذا الموقف .. من أمر الله بالإيمان ، ودعوته إلى الجهاد ..
فإذا كان المنافقون ، وأصحاب الطول فيهم ، قد نكصوا على أعقابهم ، ورضوا بأن يكونوا مع الخوالف ، فإن النبىّ ـ صلوات الله وسلامه عليه ـ والذين آمنوا معه ، جاهدوا بأموالهم وأنفسهم فى سبيل الله .. فما أن دعاهم الله ورسوله إلى الجهاد حتى طاروا إليه سراعا ، ونفروا خفافا وثقالا.
وإذا كان المخلّفون قد ألبسهم لله بتخلفهم ثوب الخزي ولذلة ، فإن رسول الله والمجاهدين معه ، قد تلقاهم الله حفيّا بهم ، موسعا لهم فى رحاب فضله ورضوانه ، فملأ أيديهم من المغانم ، وكتب لهم النصر على عدوهم ، ومكن لهم فى الأرض ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٥ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3347_altafsir-alqurani-lilquran-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
