وقوله تعالى : (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) إشارة فاضحة لهؤلاء المنافقين ، ممسكة بهم وهم متلبسون بنفاقهم .. وهذه الإشارة تكاد تكون يدا آخذة بناصية كل منافق من هؤلاء المنافقين ، يجد كل منافق مسّها ، ويستشعر اشتمالها على وجوده.
وقوله تعالى : (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) دعوة للنبى الكريم بالإغضاء عنهم ، وترك مماراتهم والجدل معهم .. وذلك هو سبيل النبىّ فى موقفه من أهل الجدل والمراء ، فى كل حال يلتقى فيها مع أصحاب النفوس المريضة ، والطبائع السقيمة ، حيث ينصح له الله سبحانه بقوله : (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ) (١٩٩ : الأعراف).
وقوله تعالى : (وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) استيفاء لرسالة الرسول ، واستكمال لكمالها .. حيث لا تترك هؤلاء المرضى الذين يأبون أن يستطيّوا لدائهم ، وأن يتناولوا ما يقدم لهم من دواء ، بل إن واجب الرسالة أن تبالغ فى النصح لهم ، وألا يحجزها هذا الضلال الذي يتخبطون فيه عن أن تسمعهم كلمات الله ، وأن تشقّ طريقها إليهم من خلال هذا الضباب الكثيف المنعقد على بصائرهم ، وبهذا تقوم الحجة عليهم ، وتنقطع أسباب معاذيرهم .. (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ) (٤٢ : الأنفال)
وفى هذا ما فيه من رحمة الله ، وما تحمل رسالة الإسلام من خير عميم للناس ، تسوقه إليهم من كل وجه ، وتلقاهم به فى كل سبيل ، حتى ولو كانوا على طريق الضالين ، المعاندين .. إنها رحمة الله ، تتلمس طريقها إلى كل قلب ، وترسل شعاعها إلى كل إنسان .. (فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْها) (١٠٤ : الأنعام).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٣ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3345_altafsir-alqurani-lilquran-03%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
