والمعنى : أن هؤلاء الذين أكلوا الرّبا إنما صار حالهم إلى ما هو عليه من السوء والبلاء بسبب غفلتهم ، وسوء تقديرهم ، واغترارهم بظاهر الأمور ، حتى حيّل إليهم أن التعامل بالرّبا لا يعدوا أن يكون من باب البيع ، وأنه كما يشترى المشترى السلعة بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع البائع ، كذلك يشترى المقترض بالرّبا المال الذي اقترضه بالثمن الذي يتفق عليه بالتراضي مع المقرض.!!
هكذا يركب الإنسان طرق الشرّ ويأكل ما يلقاء فيها من خبيث الطعام ، وهو يحسبه الطيب الهنيء المريء ، ثم لا يقف عند هذا ، بل يتكلّف له المبرّرات والمسوّغات.
وقولهم : (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) جاء على غير المألوف المتوقع ، وهو أن يقولوا : «إنما الرّبوا مثل البيع» إذ أنهم إنّما قبلوا الرّبا ، ورضوا بالتعامل به ، قياسا على أصل قاسوه عليه ، وهو البيع ، فكان عليهم أن يقولوا لأنفسهم ، أو لمن يسفّه عملهم هذا : إنما الربا الذي يلام عليه ، أو يحذّر عاقبته ، هو مثل البيع الذي لا ينكره أحد ، ولا يحذّر منه أحد».
وقولهم هذا الذي حكاه القرآن عنهم يكشف عن مدى ما يفعل السوء بأهله حين يستبد بهم ، ويفسد عليهم أمرهم ، حتى لتنقلب عندهم أوضاع الأمور ، وتختل موازينها فى تفكيرهم ، فيبدو الشر حسنا ، والقبيح جميلا .. فهم هنا يرون الرّبا الذي يتعاملون به أصلا يقاس عليه البيع ، على حين أنهما من واديين مختلفين ، وإن يكن ثمة قياس ، فالبيع هو الأصل الذي تقاس عليه الصور المشابهة له!
وقد ردّ الله عليهم هذا القول ، وأبطل هذا الادعاء الذي ادّعوه ، فقال تعالى : (وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) فإنه إذا كان ثمة تقابل بين البيع والربا فى ظاهر الأمر ، فإنهما فى الحقيقة ضدان لا يلتقيان أبدا ..
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
