ونقول ـ والله أعلم ـ :
إن إفراد الخطاب فى هذه المراحل : (يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ .. يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) فيه مواجهة صريحة كاملة ، تضع الإنسان وحده فى مواجهة هذا الخطاب الإلهى ، فيلتفت إليه بكيانه كله ، حيث لا يقع فى شعوره ـ والحال كذلك ـ أن هذا الخطاب العلوي متجه إلى غيره! وهذا من شأنه أن يجعل الإنسان فى وضع يحسن فيه التلقي عن الله ، والانتفاع بما تلقى .. وذلك ما يقيمه على طاعة الله ، ويصل به إلى مرضاته ، ثم إلى الجنة التي أعدت للمتقين ..
وليس الشأن كذلك إذا دخل الجنة .. إنه هنا فى حال ينعم فيها بنعيم الله ، ويأنس بألطافه ..
ومن تمام نعيم الله هنا ، ومزيد ألطافه ، أن يجد الإنسان نفسه بين لدات وإخوان ، يشاركهم هذا النعيم ، وتلك الألطاف ، وأن ينظر هذا النعيم وتلك الألطاف التي تغمر كيانه ، قد تجسدت على وجوه إخوانه ، فأصبحت بشرا ، وحبورا ، فيزداد لذلك بشره وحبوره ..
وماذا يأخذ الإنسان أو يعطى ، وهو منفرد وحده فى هذه الجنات؟ إن هذا النعيم الطيب كله فيها ، والملائكة والحور الذين يشرقون فيها كما تشرق الشموس ـ إن كل هذا لا يعرف المرء قدره ، ولا يتذوق طعومه ، على أكمل وجه وأتمه ، إلا إذا كان له إخوان من جنسه ، يألفهم ويألفونه ، ويأخذ معهم ويعطى .. من كؤوس هذا النعيم ..
وهذا الشعور الجماعى فى الإنسان قد عرف الله سبحانه وتعالى حاجته إليه ، فأسعفه بها ، وجعلها من بعض ألطافه على عباده فى جناته .. فجعل أهل الجنة فى حياة جماعية ، يتلاقون ، ويتعارفون ويتبادلون الطيّب من الحديث ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
