ثم إنه حين تم لها ما أراد الله ، وجاءها المخاض ، ووجدت نفسها أمام الأمر الواقع ، وأنها فى وجه فضيحة لا دفع لها ـ كان عزاؤها الوحيد فى تلك الحال هو ما كان قد أبلغها إياه رسول ربّها ، بأن وليدها سيتكلم فى المهد ، وسينطق بالشهادة التي تدفع قالة السوء عنها .. وفى هذا يقول الله تعالى : (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا* يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا* فَأَشارَتْ إِلَيْهِ قالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا* قالَ إِنِّي عَبْدُ اللهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا* وَجَعَلَنِي مُبارَكاً أَيْنَ ما كُنْتُ وَأَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا* وَبَرًّا بِوالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا* وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)
(٢٧ ـ ٣٣ : مريم)
ففى هذا الموقف المتأزّم جاءت المعجزة ، لتواجه القوم ، ولتخرس تلك الألسنة المتطاولة ، ولتأخذ على المتقوّلين فيه وفى أمّه كل سبيل .. فهذا الوليد الذي ولد لغير أب ، قد نطق فى المهد وتكلّم فى حال لا يتكلم فيها طفل غيره .. فمولده من غير أب ، وكلامه فى المهد ، على حدّ سواء ، فى الغرابة والاستنكار .. وأنه إذا كان لأحد أن ينكر هذه المعجزة القاهرة ، وهى معجزة كلام الوليد فى المهد ، فلينكر ميلاد هذا الوليد غير أب!!.
وكلام السيد المسيح هنا صريح واضح ، على شاكلة ما يتكلم به قومه ، وباللغة التي يتعاملون بها ، وقد فهموا عنه ما قال ، ولم يكن ما نطق به محتاجا إلى تأويل أو تخمين.
وقد ذكر القرآن الكريم مرة ثالثة كلام المسيح فى المهد ، فى معرض
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ٢ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3344_altafsir-alqurani-lilquran-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
