من كل عيب يدخل عليها فى أعضائها ، أو فى لونها : (مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها).
وهنا يجد القوم أن بقرتهم قد لبست أوصافا لا تكاد تقع إلا فى القليل النادر ، فيجدّون فى البحث عنها ، وهم سعداء بهذا الجري اللاهث وراءها .. ويلقون إلى موسى بتلك الفرحة التي ملأت صدورهم ، قبل أن يعثروا عليها (الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ)!! الآن فقط! كأنه إنما كان فى كل ما جاءهم به من قبل عن هذه البقرة وغيرها ، ليس مما هو حق ، بل باطل وعبث!
«فذبحوها ، وما كادوا يفعلون» أي أنهم لم يكادوا يجدون بقرة على تلك الصفة ، أو أنهم حين وجدوها صغرت فى أعينهم ، فكادوا ينصرفون عنها ، ويطلبون أوصافا أخرى لبقرة غيرها!
فانظر كيف يستبدّ بهم اللجاج والعناد ، وكيف يوردهم لجاجهم وعنادهم موارد التّيه والضلال ، ولو أنهم امتثلوا ما أمروا به من أول الأمر ، وعمدوا إلى أية بقرة من البقر لكانوا قد أدوا ما أمروا به ، وكفوا أنفسهم مئونة هذا العناء.
وإذ يذبحون البقرة يفتحون أعينهم وأفواههم إلى موسى قائلين له : ماذا بعد ذلك؟ ويجيئهم الجواب :
(فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها كَذلِكَ يُحْيِ اللهُ الْمَوْتى ، وَيُرِيكُمْ آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
ويضرب الميت ببعض لحم البقرة ، فتعود إليه الحياة ، وينطق باسم قاتله ، ثم يعود إلى عالم الموتى ، إلى يوم يبعثون! بقدرة الله قام هذا الميت ، وليس للبقرة ولا لذبحها وضربه ببعض لحمها علاقة بهذه الحياة التي عادت إليه ، فقدرة الله فوق الأسباب جميعها ، ولكن مطلوب من الناس أن يعملوا ، وأن يتحركوا إلى الغايات التي ينشدونها ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
