التفسير : وهذا موقف آخر من مواقف العنت والعناد ، من هؤلاء القوم مع الله ، ومع آيات الله ، حيث لا تزيدهم الآيات إلا كفرا ، ولا يزيدهم النور إلا عمى.
لقد قتل فى القوم قتيل فادّارءوا فيه : أي اختلفوا فى التعرف على قاتله ، إذ رمى بعضهم بعضا به ، ودفع بعضهم بعضا إلى موقف الاتهام فيه.
ولجأ القوم إلى موسى يسألونه آية تنطق القتيل باسم قاتله ، وهم يريدون بهذا أولا وقبل كل شىء ، امتحانا لموسى ، واستيقانا من دعواه أنه رسول الله ، وكليم الله!.
وتجىء آية الله من وراء ما يقدّر القوم ، فتدور لها رءوسهم ، وتضطرب لها عقولهم.
يقول لهم موسى ما أمره الله به : (إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً)! ويذهل القوم ويدهشون! ما للقتيل والتعرف على قاتله وهذه البقرة التي يؤمرون بذبحها؟ المسافة كما تبدو فى ظاهر الأمر .. بعيدة جدا ، بين السؤال وجوابه ، وبين المطلوب والأسباب الموصلة إليه! ثم إنهم طلبوا آية ، فهل فى أن تذبح بقرة من البقر آية؟.
ويرى القوم كأن موسى يعبث بهم ، فيقولون له : (أَتَتَّخِذُنا هُزُواً)؟ فيجيبهم : (أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ) ـ إن العبث لا يكون إلا عن جهل ، ولا يقع إلا من جهّال ، وهو نبى معصوم ، توجهه السماء ، فلا يضل ولا يهزل!!
ولا يجد القوم فى هذا مقنعا ، ويذهب بهم جهلهم وحمقهم إلى أن البقرة المطلوبة ليست مجرد بقرة ، وإنما هى على أوصاف نادرة لا تتحقق إلا فيها ، حتى يمكن أن تتخلّق منها الآية التي طلبوها .. هكذا فكروا وقدّروا.
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
