والقرآن الكريم ، وإن لم يتعرض لهذه الشجرة التي كانت منها أصول الحياة وفروعها ، والتي كان الإنسان ـ فيما نرى ـ فروعا من فروعها وثمرة من ثمارها ـ لم يجىء بما ينفى هذه الصلة ، وتلك القرابة ، التي بين الإنسان وبين عوالم الأحياء .. بل إنه ـ على عكس هذا ـ قد أشار فى أكثر من موضع إلى ما يمكن أن يستقيم منه فهم واضح لتلك الصلة الوثيقة ، بين الإنسان وعالم الحياة كله.
ففى قوله تعالى (وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ) (٤٥ : النور)
وقوله سبحانه : (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) (٣٠ : الأنبياء)
دلالة قوية على أن الأحياء كلها ـ ومنها الإنسان ـ مخلّقة من مادة واحدة .. هى الماء .. والماء هو المادة التي يتكون منها الطين ، إذ لا وجود للطين إلا مع الماء ، وبالماء.
وقد نجد عند بعض المفسرين لمحات ذكية ، تشير إلى شىء من هذا الذي أصبح من مقررات العلم الحديث.
«فالبيضاوى» يقول فى تفسيره لقوله تعالى : (مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ) : أي من طين تغير واسودّ من طول مجاورة الماء. (١)
فالقول بانتماء الإنسان فى أصل نشأته إلى شجرة الحياة العامة النابتة فى الأرض ، من الأرض ، لا يعارض نصا من نصوص القرآن ، بل إنه ليلتقى معها فى يسر ووضوح .. فإذا كان الإنسان ـ آدم ـ خلق من طين ، فالأحياء كلها ـ نباتا وحيوانا ـ مخلوقة من طين!
فالإنسان إذن هو ابن هذه الأرض : (مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى) (٥٥ : طه)
__________________
(١) تفسير البيضاوي «سورة الحجر».
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
