فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (١٨٤)
____________________________________
التفسير : فى آية البر (١٧٧) لم يذكر الصوم فيما ذكر من شعائر البر ، ولكن قد أشير إليه ضمنا فى قوله تعالى : (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ) إذ كان الصوم مما يدخل فى دائرة الصبر .. بل هو «الصبر» نفسه. وفى هذه الآية بيان لفريضة الصوم ووقتها وأحكامها ، كما ذكر ، فى الآيات التي قبلها من أعمال البر : القصاص فى القتلى ، والوصية عند الموت ، وهما أمران يستندان إلى الصبر ، وكما سيذكر بعد ذلك الجهاد فى سبيل ، وهو أمر لا يقوم إلا على الصبر.
وفى قوله تعالى : (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ) بيان لمن أبيح لهم الخروج من هذا الحكم العام الذي دخل فيه المسلمون جميعا ، وهو وجوب الصوم .. ويقال : طاق الشيء يطوقه طوقا وطاقة ، وأطاقه إطاقة إذا قوى عليه ، وطوّقه تطويقا ألبسه الطوق ، يقول الله تعالى : (سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ) : (١٨٠ آل عمران) ومعنى هذا أن الذي يطيق شيئا إنما يعطيه طاقته ، أي كل قوته ، وهذا لا يكون إلا مع الأمر الشاق ، الذي لا يقدر علية إلا بجهد ومشقّة.
والذين يطيقونه هم الذين يرهقهم الصوم ، ويبلغ بهم المشقة والجهد ، كالمريض مرضا ملازما ، وكمن دخل مرحلة الشيخوخة ، وكبعض الحوامل اللائي يعانين من حملهن ما يلزمهن نظاما خاصّا فى التغذية .. وهكذا كلّ من خرج بناؤه الجسدى عن حد الاعتدال ، فلا يستطيع الصوم ، وإن استطاعه وجد المشقة والحرج ، فلهؤلاء أن يفطروا ، فقد رفع الله عنهم الحرج بقوله تعالى : (وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (٧٨ : الحج) وبقوله سبحانه : (لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها) : (٢٨٦ : البقرة).
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
