فيه أن يكون قائما على معيار يسع الناس جميعا .. الأقوياء والضعفاء .. فى جميع الأزمان والأوطان.
لذلك اقتضت رحمة الخالق بعباده ، فى دعوتهم إلى الإسلام ، الذي أريد له أن يكون دين الإنسانية ، ومختتم رسالات السماء ـ اقتضت هذه الرحمة الراحمة أن تكون شريعة هذا الدين مقدرة على قدر ما يحتمل الضعفاء لا الأقوياء ، وأن يكون ما فى الأقوياء من قدرة على احتمال ما فوق هذا التشريع هو فضل من فضل الله عليهم ، يزدادون به كمالا فوق الكمال الذي بلغوه بأداء ما كلّفوا .. فإنه ما على المحسنين من سبيل.
وقوله تعالى : (وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ) بيان للحكمة التي أرادها الله من وراء هذا الامتحان الذي امتحن المسلمين به ، حين وجههم إلى بيت المقدس ، ثم عدل وجههم عنه إلى البيت الحرام. ففى هذا الامتحان يختبر إيمان المؤمنين ، وتظهر حقيقة ما عندهم من طاعة وامتثال لله ولرسوله ، من غير أن تدور فى رءوسهم أسئلة التوقف ، فيقول قائلهم : ما هذا؟ ولم؟ وكيف؟ إذ أن من شأن المؤمن أن يتلقى أمر الرسول بالقبول والتسليم ، امتثالا لقوله تعالى : (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) : (٧ : الحشر)
وفى قوله تعالى : (وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللهُ) إشارة إلى أن هذه المحنة التي امتحن بها المؤمنون كبيرة ، لا يجوزها بقلب سليم ، ونفس مطمئنة إلّا الذين هداهم الله وثبت أقدامهم على طريق الحق واليقين : (وَاللهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) : (٢١٣ : البقرة).
وقوله تعالى : (وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ) تطمين لقلوب المؤمنين الذين وقع فى نفوسهم شىء من صلاتهم التي كانوا يصلّونها إلى بيت المقدس ،
![التّفسير القرآني للقرآن [ ج ١ ] التّفسير القرآني للقرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3343_altafsir-alqurani-lilquran-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
