حتى يكون ذلك على أحكام طباع الآدميين وقياس أحوالهم ، غير واجب في حق النظر ، ولله عزوجل لطائف وخصائص يخص بها من يشاء من أنبيائه وأوليائه ، ويفردهم بحكمها دون سائر خلقه ، وقد أعطى موسى صلوات الله عليه النبوة ، واصطفاه بمناجاته وكلامه ، وأمره حين أرسله إلى فرعون بالمعجزات الباهرة ، كالعصا (١) واليد البيضاء (٢) ، وسخر له البحر (٣) فصار طريقا يبسا ، جاء عليه هو وقومه وأولياؤه ، وغرق فيه خصمه وأعداؤه ، وهذه أمور أكرمه الله بها ، وأفرده بالاختصاص فيها ، أيام حياته ومدة بقائه في دار الدنيا ثم إنه لما دنا حين وفاته ، وهو بشر يكره الموت طبعا ، ويجد ألمه حسا ، لطف له بأن لم يفاجئه به بغتة ، ولم يأمر الملك الموكل به أن يأخذه قهرا وقسرا ، لكن أرسله إليه منذرا بالموت ، وأمره بالتعرض له على سبيل الامتحان في صورة بشر ، فلما رآه موسى استنكر شأنه ، واستوعر مكانه ، فاحتجر منه دفعا عن نفسه بما كان من صكه إياه ، فأتى ذلك على عينه التي ركبت في صورة البشرية التي جاءه فيها دون صورة الملكية التي هو مجبول الخلقة عليها ، ومثل هذه الأمور مما يعلل به طباع البشر ، وتطيب به نفوسهم في المكروه الذي هو واقع بهم فإنه لا شيء أشفى للنفس من الانتقام ممن يكبدها ويريدها بسوء ، وقد كان من طبع موسى صلوات الله وسلامه عليه فيما دل عليه آي من القرآن حما وحدة وقد قص علينا الكتاب ما كان من وكزه القبطي الذي قضى عليه ، وما كان عند غضبه من إلقائه الألواح ، وأخذه برأس أخيه يجره إليه ، وقد روي أنه كان إذا غضب اشتعلت قلنسوته نارا ، وقد جرت سنة الدين بحفظ النفس ودفع الضرر والضيم عنها ، ومن شريعة نبينا صلىاللهعليهوسلم ما سنه فيمن اطلع على محرم قوم من عقوبته في عينه ، فقال «من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حل لهم أن يفقئوا عينه» (٤).
__________________
(١) قال تعالى : (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) سورة الاعراف آية ١٠٧ وسورة الشعراء آية ٣٢.
(٢) قال تعالى : (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) سورة طه آية ٢٢.
(٣) قال تعالى : (أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً) سورة طه آية رقم ٧٧.
(٤) الحديث أخرجه الترمذي في كتاب الاستئذان باب ١٧ من اطلع في دار قوم بغير إذنهم ٢٧٠٩ بسنده عن سهل بن سعد الساعدي قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم وذكره.
