وكربه ، ليس أني أكره له الموت ، لأن الموت يورده إلى رحمته ومغفرته.
وقال أبو سليمان رحمهالله قوله : «وكنت سمعه الذي يسمع به ، وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها» (١) وهذه أمثال ضربها ، ـ والمعنى والله أعلم ـ توفيقه في الأعمال التي يباشرها بهذه الأعضاء وتيسير المحبة له فيها ، فيحفظ جوارحه عليه ، ويعصمه عن مواقعة ما يكره الله من إصغاء إلى اللهو يسمعه ، ونظر إلى ما نهى عنه من اللهو ببصره ، وبطش إلى ما لا يحل له بيده ، وسعى في الباطل برجله ، وقد يكون معناه سرعة إجابة الدعاء والإنجاح في الطلبة ، وذلك أن مساعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربع ، وقوله ما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس المؤمن ، فإنه أيضا مثل ، والمتردد في صفة الله عزوجل غير جائز ، والبداء عليه في الأمور غير سائغ ، وتأويله على وجهين (أحدهما) أن العبد قد يشرف في أيام عمره على المهالك مرات ذي عدد من داء يصيبه ، وآفة تنزل به ، فيدعو الله عزوجل فيشفيه منها ، ويدفع مكروهها عنه ، فيكون ذلك من فعله كتردد من يريد أمرا ثم يبدو له في ذلك فيتركه ويعرض عنه ، ولا بدّ له من لقائه إذا بلغ الكتاب أجله ، فإنه قد كتب الفناء على خلقه ، واستأثر البقاء لنفسه ، وهذا على معنى ما روي «إن الدعاء يرد البلاء» والله أعلم.
وفيه (وجه آخر) وهو أن يكون معناه ما رددت رسلي في شيء أنا فاعله ترديدي إياهم في نفس المؤمن ، كما روي في قصة موسى وملك الموت صلوات الله عليهما ، وما كان من لطمة عينه ، وتردد عليه مرة بعد أخرى ، وتحقيق المعنى في الوجهين معا : عطف الله عزوجل على العبد ولطفه به والله أعلم.
أخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران العدل ببغداد أنا إسماعيل بن محمد الصفار أنا أحمد بن منصور الرمادي نا عبد الرزاق أنا معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة قال : «أرسل ملك الموت إلى موسى عليهالسلام ، فلما جاءه صكه ففقأ عينه ، فرجع إلى ربه عزوجل فقال
__________________
(١) سبق تخريج هذا الحديث.
