وليس السّخريّ من الله كمعناه من العباد ، وكذلك قوله (اللهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ) (١) ليس ذلك من الله كمعناه من العباد ، وفي هذا بيان الكسر لقول شريح وإن كان جائزا لأن المفسرين قالوا بل عجبت يا محمد ويسخرون هم ، فهذا وجه النصب. قال الشيخ : وتمام ما قال الفراء في قول غيره وهو أن قوله بل عجبت ويسخرون بالرفع أي جازيتهم على عجبهم لأن الله سبحانه أخبر عنهم في غير موضع بالتعجب من الحق ، فقال : (وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ) (٢) فأخبر عنهم أيضا أنهم قالوا (إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجابٌ) (٣) فقال تعالى : بل (عَجِبْتَ) أي بل جازيت على التعجب وقد قيل : إن قل مضمر فيه ومعناه قل يا محمد بل عجبت أنا من قدرة الله ، والأول أصح ، وقد يكون العجب بمعنى الرضا في مثل ما مضى من قصة الإيثار وحديث الاستغفار ، وقد يكون العجب بمعنى وقوع ذلك العمل عند الله عظيما ، فيكون معنى قوله بل عجبت أي بل عظم فعلهم عندي ، ويشبه أن يكون هذا معنى ما حدثنا الإمام أبو الطيب سهل بن محمد بن سليمان أنا أبو سهل بشر بن أبي يحيى المهرجاني الأسفرايني أنا إبراهيم بن علي الذهلي نا يحيى بن يحيى أنا ابن لهيعة عن أبي عشانة قال : سمعت عقبة بن عامر يقول : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «يعجب ربك للشاب ليس له صبوة» (٤).
أخبرنا أبو الحسن علي بن محمد بن عبدان أنا أحمد بن عبيد الصفار نا أبو بكر النرسي نا شبابة بن سوار نا شعبة نا محمد بن زياد قال : سمعت أبا هريرة يحدث عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : «عجب الله عزوجل من قوم بأيديهم السلاسل حتى يدخلوا الجنة» (٥) أخرجه البخاري في الصحيح من حديث غندر عن شعبة ، وقد يكون
__________________
(١) سورة البقرة آية ١٥.
(٢) سورة ص آية ٤.
(٣) سورة ص آية ٥.
(٤) الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند ٤ : ١٥١ حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا ابن لهيعة عن أبي عشانة عن عقبة بن عامر قال : قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم وذكره.
(٥) الحديث أخرجه البخاري في كتاب الجهاد ١٤٤ باب الأسارى في السلاسل ٣٠١٠ عن محمد ابن زياد عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلىاللهعليهوسلم قال : وذكره. وأخرجه أبو داود في كتاب الجهاد ١١٤ وأحمد بن حنبل في المسند ٢ : ٣٠٢ ، ٤٠٦ ، ٤٤٨ ، ٤٥٧ ، ٥ : ٢٤٩ (حلبي).
