وقوله : «كان الله عزوجل ولم يكن شيء غيره» ، يدل على أنه لم يكن شيء غيره لا الماء ولا العرش ولا غيرهما ، فجميع ذلك غير الله تعالى.
وقوله : «كان عرشه على الماء» ، يعني ثم خلق الماء وخلق العرش على الماء ، ثم كتب في الذكر كل شيء كما رويناه في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما. وذلك بين في حديث أبي رزين العقيلي.
أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك ، أنا عبد الله بن جعفر بن أحمد ، حدثنا يونس بن حبيب ، حدثنا أبو داود حدثنا حماد بن سلمة ، عن يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن حدس ، عن أبي رزين ـ يعني العقيلي ـ قال : كان النبي صلىاللهعليهوسلم يكره أن يسأل. فإذا سأله أبو رزين أعجبه ، قال : قلت : يا رسول الله ، أين كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال صلىاللهعليهوسلم : كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ، ثم خلق العرش على الماء. هذا حديث تفرد به يعلى بن عطاء ، عن وكيع بن حدس.
وقال ابن عدس : ولا نعلم لوكيع بن حدس هذا راويا غير يعلى بن عطاء. ووجدته في كتابي في عماء مقيدا بالمد. فإن كان في الأصل ممدودا ، فمعناه سحاب رقيق. ويريد بقوله : «في عماء» أي فوق سحاب مدبرا له ، وعاليا عليه ، كما قال تعالى : (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ) (١). يعني من فوق السماء. وقال : (لَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ) (٢) يعني : على جذوعها.
وقوله : «ما فوقه هواء» ، أي : ما فوق السحاب هواء. وكذلك قوله : «وما تحته هواء» ، أي : ما تحت السحاب هواء. وقد قيل : إن ذلك من العمى مقصورا. والعمى إذا كان مقصورا ، فمعناه لا شيء ثابت ، لأنه مما يعمي على الخلق لكونه غير شيء. وكأنه قال في جوابه : كان قبل أن يخلق خلقه ولم يكن شيء غيره كما قال في حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ، ثم قال : فما فوقه ولا تحته هواء. أي : ليس فوق العمى الذي لا شيء موجود هواء ولا تحته هواء ، لأن ذلك إذا كان غير شيء فليس يثبت له هواء بوجه. والله أعلم.
__________________
(١) سورة الملك آية ١٦.
(٢) سورة طه آية ٧١.
