أبو عبد الله الحافظ ، عن نسخة ذلك الكتاب : «من زعم أن الله (تعالى ، جل ذكره) لم يتكلم إلا مرة ، ولا يتكلم إلا ما تكلم به ، ثم انقضى كلامه ، كفر بالله ، بل لم يزل الله متكلما ، ولا يزال متكلما ، لا مثل لكلامه ، لأنه صفة من صفات ذاته ، نفى الله (تعالى) المثل عن كلامه ، كما نفى المثل عن نفسه ، ونفى النفاد عن كلامه ، كما نفى الهلاك عن نفسه ، فقال (عزوجل) : (كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ) (١).
وقال تعالى : (قُلْ لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً لِكَلِماتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِماتُ رَبِّي) (٢).
فكلام الله (عزوجل) غير بائن عن الله ، ليس هو دونه ولا غيره ، ولا هو هو ، بل هو صفة من صفات ذاته ، كعلمه الذي هو صفة من صفات ذاته ، لم يزل ربنا عالما ، ولا يزال عالما ، ولم يزل يتكلم ، ولا يزال يتكلم ، فهو الموصوف بالصفات العلى ، لم يزل بجميع صفاته التي هي صفات ذاته واحدا ، ولا يزال ، (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) (٣). وكان فيما كتب : القرآن كلام الله (تعالى) وصفة من صفات ذاته ، ليس شيء من كلامه خلقا ولا مخلوقا ، ولا فعلا ولا مفعولا ، ولا محدثا ، ولا حدثا ، ولا أحداثا.
وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، قال : سمعت أبا الحسن علي بن أحمد الزاهد البوشنجي يقول : دخلت على عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي بالري ، فأخبرته بما جرى بنيسابور بين أبي بكر بن خزيمة وبين أصحابه ، فقال : ما لأبي بكر والكلام؟ إنما الأولى بنا وبه أن لا نتكلم فيما لم نتعلمه ، فخرجت من عنده حتى دخلت على أبي العباس القلانسي ، فقال : كأن بعض القدرية من المتكلمين وقع إلى محمد بن إسحاق ، فوقع لكلامه عنده قبول ، ثم خرجت إلى بغداد فلم أدع بها فقيها ولا متكلما إلا عرضت عليه تلك
__________________
(١) سورة القصص آية ٨٨.
(٢) سورة الكهف آية ١٠٩.
(٣) سورة الملك آية ١٤.
