لقي منصور بن عمار ، فقال له : أخبرني عن كلام الله (تعالى) ، أهو الله أم غير الله ، أم دون الله؟ فقال : إن كلام الله تعالى لا ينبغي أن يقال : هو الله.
ولا يقال : هو غير الله ، ولا هو دون الله ، ولكنه كلامه وقوله : (وَما كانَ هذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرى مِنْ دُونِ اللهِ) (١) أي لم يقله أحد إلا الله. فرضينا حيث رضي لنفسه ، واخترنا له من حيث اختار لنفسه ، فقلنا : كلام الله (تعالى) ليس بخالق ولا مخلوق. فمن سمى القرآن بالاسم الذي سماه الله به ، كان من المهتدين. ومن سماه باسم من عنده ، كان من الضالين. فانه عن هذا ، (وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمائِهِ سَيُجْزَوْنَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) (٢) فإن تأبى ، كنت من الذين (يَسْمَعُونَ كَلامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ ما عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) (٣).
قال أحمد ـ هو البيهقي رضي الله عنه ـ : قد روينا عن جماعة من علمائنا (رحمهمالله تعالى) أنهم أطلقوا القول بتكفير من قال بخلق القرآن وحكيناه أيضا عن الشافعي (رحمنا الله وإياه) ، ورويناه في كتاب القدر عن جماعة منهم أنهم كانوا لا يرون الصلاة خلف القدري ، ولا يجيزون شهادته ، وحكينا عن الشافعي في كتاب الشهادات ما دل على قبول شهادة أهل الأهواء ما لم تبلغ بهم العصبية مبلغ العداوة ، فحينئذ ترد بالعداوة. وحكينا عنه في كتاب الصلاة أنه قال : وأكره إمامة الفاسق ، والمظهر للبدع ، ومن صلى خلف واحد منهم ، أجزأته صلاته ، ولم تكن عليه إعادة إذا أقام الصلاة.
وقد اختلف علماؤنا في تكفير أهل الأهواء ، منهم من كفرهم على تفصيل ذكره في أهوائهم ، ومن قال بهذا ، زعم أن قول الشافعي في الصلاة والشهادات ورد في مبتدع لا يخرج ببدعته وهواه عن الإسلام ، ومنهم من لا يكفرهم ، وزعم أن قول الشافعي في تكفير من قال بخلق القرآن أراد به كفرا
__________________
(١) سورة يونس آية ٣٧.
(٢) سورة الأعراف آية ١٨٠.
(٣) سورة البقرة آية ٧٥.
