معطوفة على «ما» الأولى ، فتقديره : واتّبعوا ما تتلو الشياطين وما أنزل على الملكين. والثاني : أنها معطوفة على السّحر ، فتقديره : يعلّمون الناس السّحر ، ويعلّمونهم ما أنزل على الملكين. فإن قيل : إذا كان السحر نزل على الملكين ، فلما ذا ذكره؟ فالجواب من وجهين : ذكرهما ابن السّرّي : أحدهما : أنهما كانا يعلّمان الناس : ما السحر ، ويأمران باجتنابه ، وفي ذلك حكمة ؛ لأن سائلا لو قال : ما الزّنى؟ لوجب أن يوقف عليه ، ويعلّم أنه حرام. والثاني : أنه من الجائز أن يكون الله تعالى امتحن الناس بالملكين ، فمن قبل التعلّم كان كافرا ، ومن لم يقبله فهو مؤمن ، كما امتحن بنهر طالوت.
وفي الذي أنزل على الملكين قولان : أحدهما : أنه السحر ، روي عن ابن مسعود والحسن ، وابن زيد. والثاني : أنه التّفرقة بين المرء وزوجه ، لا السحر ، روي عن مجاهد وقتادة ، وعن ابن عباس كالقولين. قال الزّجّاج : وهذا من باب السحر أيضا.
الإشارة إلى قصة الملكين
ذكر العلماء أن الملكين إنما أنزلا إلى الأرض لسبب ، وهو أنه لما كثرت خطايا بني آدم ؛ دعت عليهم الملائكة ، فقال الله تعالى : لو أنزلت الشهوة والشياطين منكم منزلتهما من بني آدم ، لفعلتم مثل ما فعلوا ، فحدّثوا أنفسهم أنهم إن ابتلوا ، اعتصموا ، فأوحى الله إليهم أن اختاروا من أفضلكم ملكين ،
__________________
من عمل الشياطين ، وأنها تعلّم الناس ذلك ببابل ، وأن الذين يعلمانهم ذلك رجلان : اسم أحدهما هاروت ، واسم الآخر ماروت. فيكون «هاروت وماروت» ، على هذا التأويل ، ترجمة على «الناس» وردّا عليهم. وقال آخرون : بل تأويل «ما» التي في قوله : (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) ـ «الذي».
ـ وقال القرطبي رحمهالله في «تفسيره» ٢ / ٥٠ ـ ٥١ : قوله تعالى : (وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ) «ما» نفي ، والواو للعطف على قوله : (وَما كَفَرَ سُلَيْمانُ) وذلك أن اليهود قالوا : إن الله أنزل جبريل وميكائيل بالسحر ، فنفى الله ذلك. وفي الكلام تقديم وتأخير ، التقدير : وما كفر سليمان ، وما أنزل على الملكين ، ولكن الشياطين كفروا يعلّمون الناس السحر ببابل هاروت وماروت ، فهاروت وماروت بدل من الشياطين في قوله (وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا). هذا أولى ما حملت عليه الآية من التأويل ، وأصح ما قيل فيها ولا يلتفت إلى سواه ، فالسحر من استخراج الشياطين للطافة جوهرهم ، ودقة أفهامهم ، وأكثر ما يتعاطاه من الإنس النساء وخاصة في حال طمثهنّ ، قال الله تعالى : (وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثاتِ فِي الْعُقَدِ) وقال الشاعر :
أعوذ بربي من النّافثات .....
إن قال قائل : كيف يكون اثنان بدلا من جمع والبدل إنما يكون على حدّ المبدل منه ، فالجواب من وجوه ثلاثة ، الأول : أن الاثنين قد يطلق عليهما اسم الجمع ، كما قال تعالى : (فَإِنْ كانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) ولا يحجبها عن الثلث إلى السدس إلا اثنان من الإخوة فصاعدا ؛ والثاني : أنهما لما كانا الرأس في التعليم نصّ عليهما دون أتباعهما ؛ كما قال تعالى : (عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ). الثالث : إنما خصّا بالذكر من بينهم لتمردهما ، كما قال تعالى : (فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) وقوله : (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب ، فقد ينص بالذكر على بعض أشخاص العموم إما لشرفه وإما لفضله ، كقوله تعالى : (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُ) وقوله : (وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ) وإما لطيبه (فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ) وإما لأكثريته ، كقوله صلىاللهعليهوسلم : «جعلت لي الأرض مسجدا وتربتها طهورا» وإما لتمرده وعتوه كما في هذه الآية ، والله أعلم. وقد قيل : إن «ما» عطف على السحر وهي مفعولة ، فعلى هذا يكون «ما» بمعنى الذي ، ويكون السحر منزلا على الملكين فتنة للناس وامتحانا ، ولله أن يمتحن عباده بما شاء.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
