قوله تعالى : (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) ، أي : ألزموها ، قال الفرّاء : الذّلة والذّل : بمعنى واحد ، وقال الحسن : هي الجزية. وفي المسكنة قولان : أحدهما : أنها الفقر والفاقة ، قاله أبو العالية ، والسّدّيّ ، وأبو عبيدة ، وروي عن السّدّيّ قال : هي فقر النفس. والثاني : أنها الخضوع ، قاله الزّجّاج.
قوله تعالى : (وَباؤُ) ، أي : رجعوا. وقوله تعالى : (ذلِكَ) إشارة إلى الغضب. وقيل : إلى جميع ما ألزموه من الذّلة والمسكنة وغيرهما. قوله تعالى : (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ). كان نافع يهمز «النبيّين» و «الأنبياء» و «النبوّة» وما جاء من ذلك ، إلا في موضعين في الأحزاب : (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِ) (١) ، (إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ) (٢) ، وإنما ترك الهمزة في هذين الموضعين لاجتماع همزتين مكسورتين من جنس واحد ، وباقي القرّاء لا يهمزون جميع المواضع. قال الزّجّاج : الأجود ترك الهمز. واشتقاق النبيّ من : نبأ ، وأنبأ ، أي : أخبر. ويجوز أن يكون من : نبا ينبو : إذا ارتفع ، فيكون بغير همز : فعيلا ، من الرّفعة. قال عبد الله بن مسعود : كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم ثلاثمائة نبيّ ، ثم تقوم سوق بقلهم في آخر النهار.
قوله تعالى : (بِغَيْرِ الْحَقِ) فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أن معناه : بغير جرم ، قاله ابن الأنباريّ. والثاني : أنه توكيد ؛ كقوله تعالى : (وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (٣). والثالث : أنه خارج مخرج الصّفة لقتلهم أنه ظلم ، فهو كقوله : (رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِ) (٤) ، فوصف حكمه بالحق ، ولم يدلّ على أنه يحكم بغير الحق. قوله تعالى : (وَكانُوا يَعْتَدُونَ) ، العدوان : أشدّ الظلم. وقال الزّجّاج : الاعتداء : مجاوزة القدر في كل شيء.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢))
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) ، فيهم خمسة أقوال : أحدها : أنهم قوم كانوا مؤمنين بعيسى قبل أن يبعث محمد صلىاللهعليهوسلم ، قاله ابن عباس. والثاني : أنهم الذين آمنوا بموسى ، وعملوا بشريعته إلى أن جاء عيسى ، فآمنوا به وعملوا بشريعته إلى أن جاء محمد. وهذا قول السّدّيّ عن أشياخه. والثالث : أنهم المنافقون ، قاله سفيان الثّوريّ (٥). والرابع : أنهم الذين كانوا يطلبون الإسلام ، كقس بن ساعدة ، وبحيرا ، وورقة بن نوفل ، وسلمان. والخامس : أنهم المؤمنون من هذه الأمّة.
قوله تعالى : (وَالَّذِينَ هادُوا) ، قال الزّجّاج : أصل هادوا في اللغة : تابوا. وروي عن ابن مسعود أن اليهود سمّوا بذلك لقول موسى : (هُدْنا إِلَيْكَ) (٦) ، والنصارى لقول عيسى : (مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللهِ*). وقيل سمّوا النصارى لقرية نزلها المسيح ، اسمها : ناصرة ، وقيل : لتناصرهم.
فأما «الصابئون» فقرأ الجمهور بالهمز في جميع القرآن. وكان نافع لا يهمز كل المواضع. قال
__________________
(١) الأحزاب : ٥٣.
(٢) الأحزاب : ٥٠.
(٣) الحج : ٤٦.
(٤) الأنبياء : ١١٢.
(٥) هو الإمام الفقيه ، أمير المؤمنين في الحديث ، توفي سنة ١٦١.
(٦) الأعراف : ١٥٦.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
