قال الزجّاج : قوله تعالى : (بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) معناه : بلّغ جميع ما أنزل إليك ، ولا تراقبنّ أحدا ، ولا تتركنّ شيئا منه مخافة أن ينالك مكروه ، فإن تركت منه شيئا ، فما بلّغت. قال ابن قتيبة : يدلّ على هذا المحذوف قوله تعالى : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ). وقال ابن عباس : إن كتمت آية فما بلّغت رسالتي. وقال غيره : المعنى : بلّغ جميع ما أنزل إليك جهرا ، فإن أخفيت شيئا منه لخوف أذى يلحقك ، فكأنّك ما بلّغت شيئا. وقرأ أبو عمرو ، وحمزة ، والكسائيّ : «رسالته» على التّوحيد. وقرأ نافع «رسالاته» على الجمع.
قوله تعالى : (وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) قال ابن قتيبة : أي يمنعك منهم. وعصمة الله : منعه للعبد من المعاصي ، ويقال : طعام لا يعصم ، أي : لا يمنع من الجوع. فإن قيل : فأين ضمان العصمة وقد شجّ جبينه ، وكسرت رباعيّته ، وبولغ في أذاه؟ فعنه جوابان : أحدهما : أنه عصمة من القتل والأسر وتلف الجملة ، فأمّا عوارض الأذى ، فلا تمنع عصمة الجملة. والثاني : أن هذه الآية نزلت بعد ما جرى عليه ذلك ، لأنّ «المائدة» من أواخر ما نزل.
قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) فيه قولان : أحدهما : لا يهديهم إلى الجنّة. والثاني : لا يعينهم على بلوغ غرضهم.
(قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ (٦٨))
قوله تعالى : (قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) سبب نزولها :
(٤٥٥) أنّ اليهود قالوا للنبيّ صلىاللهعليهوسلم : ألست تؤمن بما عندنا من التّوراة ، وتشهد أنها حقّ؟ قال : بلى ، ولكنّكم أحدثتم وجحدتم ما فيها ، فأنا بريء من إحداثكم. فقالوا : نحن على الهدى ، ونأخذ بما في أيدينا ، ولا نؤمن بك ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن عباس.
فأمّا أهل الكتاب ، فالمراد بهم اليهود والنّصارى. وقوله تعالى : (لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ) أي : لستم على شيء من الدّين الحقّ حتى تقيموا التّوراة والإنجيل ، وإقامتهما : العمل بما فيهما ، ومن ذلك الإيمان بمحمّد صلىاللهعليهوسلم. وفي الذي أنزل إليهم من ربّهم قولان قد سبقا ، وكذلك باقي الآية.
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٩))
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ) قد ذكرنا تفسيرها في البقرة. وكذلك اختلفوا في إحكامها ونسخها كما بيّنّا هناك. فأمّا رفع «الصّابئين» فذكر الزجّاج عن البصريين ، منهم الخليل ، وسيبويه أنّ قوله : «والصابئون» محمول على التّأخير ، ومرفوع بالابتداء. والمعنى : إنّ الذين آمنوا والذين هادوا من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
____________________________________
(٤٥٥) إسناده ضعيف. أخرجه الطبري ١٢٢٨٧ من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن أبي محمد به ، ومحمد هذا مجهول كما تقدم مرارا. وانظر «تفسير الشوكاني» بتخريجنا.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
