التّقرير والإذكار بالنّعم. والثاني : التّوبيخ على ترك الشّكر.
والآية البيّنة : العلامة الواضحة ، كالعصا ، والغمام ، والمنّ ، والسّلوى ، والبحر. وفي المراد بنعمة الله قولان : أحدهما : أنّها الآيات التي ذكرناها ، قاله قتادة. والثاني : أنها حجج الله الدّالة على أمر النّبيّ صلىاللهعليهوسلم ، قاله الزجّاج. وفي معنى تبديلها ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الكفر بها ، قاله أبو العالية ومجاهد. والثاني : تغيير صفة النّبيّ صلىاللهعليهوسلم في التّوراة ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. والثالث : تعطيل حجج الله بالتّأويلات الفاسدة.
(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢١٢))
قوله تعالى : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) ، في نزولها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها نزلت في أبي جهل وأصحابه ، قاله ابن عباس. والثاني : نزلت في علماء اليهود ، قاله عطاء. والثالث : في عبد الله بن أبيّ وأصحابه من المنافقين ، قاله مقاتل. قال الزجّاج : وإنّما جاز في «زيّن» لفظ التّذكير ، لأنّ تأنيث الحياة ليس بحقيقيّ ، إذ معنى الحياة ومعنى العيش واحد. وإلى من يضاف هذا التّزيين (١) فيه قولان : أحدهما : أنه يضاف إلى الله. وقرأ أبيّ بن كعب والحسن ، ومجاهد ، وابن محيصن ، وابن أبي عبلة : «زيّن» بفتح الزاي والياء ، على معنى : زيّنها الله لهم. والثاني : أنه يضاف إلى الشّيطان ، روي عن الحسن. قال شيخنا عليّ بن عبيد الله : والتّزيين من الله تعالى : هو التّركيب الطّبيعيّ فإنه وضع في الطّبائع محبة المحبوب لصورة فيه تزيّنت للنّفس ، وذلك من صنعه ، وتزيين الشّيطان بإذكار ما وقع من إغاله ممّا مثله يدعو إلى نفسه لزينته ، فالله تعالى يزيّن بالوضع ، والشّيطان يزيّن بالإذكار.
وما السبب في سخرية الكفّار من المؤمنين؟ فيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنهم سخروا منهم للفقر. والثاني : لتصديقهم بالآخرة. والثالث : لاتّباعهم للنبيّ صلىاللهعليهوسلم ، وقيل : إنّهم كانوا يوهمونهم أنّكم على الحقّ ، سخرية منهم بهم. وفي معنى كونهم «فوقهم» ثلاثة أقوال : أحدها : أنّ ذلك على أصله ، لأنّ المؤمنين في علّيين ، والكفّار في سجّين. والثاني : أنّ حجج المؤمنين فوق شبه الكافرين ، فهم المنصورون. والثالث : في أنّ نعيم المؤمنين في الجنّة فوق نعيم الكافرين في الدّنيا. قوله تعالى : (وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) ، فيه قولان : أحدهما : أنه يرزق من يشاء رزقا واسعا غير ضيّق. والثاني : يرزق من يشاء بلا محاسبة في الآخرة.
__________________
(١) قال القرطبي رحمهالله ٣ / ٣٠ : وقوله تعالى : (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا) على ما لم يسم فاعله.
والمراد رؤساء قريش. وقرأ مجاهد وحميد بن قيس على بناء الفاعل. قال النحاس : هي قراءة شاذة لأنه لم يتقدّم للفاعل ذكر. وقرأ ابن أبي عبلة (زيّنت) بإظهار العلامة ، وجاز ذلك لكون التأنيث غير حقيقي والمزيّن هو خالقها ومخترعها وخالق الكفر ، ويزينها الشيطان بوسوسته وإغوائه. وخصّ الذين كفروا بالذكر لقبولهم التزيين جملة ، وإقبالهم على الدنيا وإعراضهم عن الآخرة بسببها وقد جعل الله ما على الأرض زينة لها ليبلو الخلق أيهم أحسن عملا فالمؤمنون الذي هم على سنن الشرع لم تفتنهم ، الزينة والكفار تملكتهم لأنهم لا يعتقدون غيرها. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين قدم عليه بالمال : اللهم إنا لا نستطيع إلّا أن نفرح بما زينت لنا.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
