وأما أرباب القول الأول ؛ فيقولون : معنى الآية : الشّهر الحرام الذي دخلتم فيه الحرم بالشّهر الحرام الذي صدّوكم فيه عام أوّل. (وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ) : اقتصصت لكم منهم في ذي القعدة كما صدّوكم في ذي القعدة. وقال الزجّاج : الشهر الحرام ، أي : قتال الشّهر الحرام بالشّهر الحرام ، فأعلم الله عزوجل أنّ أمر هذه الحرمات لا تجوز للمسلمين إلا قصاصا ، ثم نسخ ذلك بآية السّيف ، وقيل : إنّما جمع الحرمات ، لأنه أراد الشّهر الحرام بالبلد الحرام ، وحرمة الإحرام.
قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ) ، قال ابن عباس : من قاتلكم في الحرم فقاتلوه. وإنما سمّى المقابلة على الاعتداء اعتداء ، لأنّ صورة الفعلين واحدة ، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. قال الزجّاج : والعرب تقول : ظلمني فلان فظلمته ، أي : جازيته بظلمه. وجهل فلان عليّ ، فجهلت عليه. وقد سبق بيان هذا المعنى في أوّل السّورة.
قوله تعالى : (وَاتَّقُوا اللهَ) ، قال سعيد بن جبير : واتّقوا الله ولا تبدأوهم بقتال في الحرم.
(وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَاتَّقُوا اللهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقابِ (١٩٦))
قوله تعالى : (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللهِ). هذه الآية نزلت على سبب ، وفيه قولان :
(٨٠) أحدهما : أنّ النبيّ صلىاللهعليهوسلم لمّا أمر بالتّجهّز إلى مكّة ، قال ناس من الأعراب : يا رسول الله! بما ذا نتجهّز؟ فو الله ما لنا زاد ولا مال! فنزلت ، قاله ابن عباس.
(٨١) والثاني : أن الأنصار كانوا ينفقون ويتصدّقون ، فأصابهم سنة ، فأمسكوا ؛ فنزلت ، قاله أبو جبيرة بن الضحاك.
والسّبيل في اللّغة : الطّريق. وإنما استعملت هذه الكلمة في الجهاد ، لأنه السّبيل الذي يقاتل فيه على عقد الدّين. والتّهلكة : بمعنى الهلاك ، يقال : هلك الرجل يهلك هلاكا وهلكا وتهلكة. قال المبرّد : وأراد بالأيدي : الأنفس ؛ فعبّر بالبعض عن الكلّ. وفي المراد بالتّهلكة هاهنا أربعة أقوال :
____________________________________
(٨٠) لم أقف عليه بعد البحث ، ولم يذكره سوى المصنف والقرطبي ٢ / ٣٦٠ ، فهو لا شيء لخلوه عن الإسناد.
ـ وانظر ما بعده.
(٨١) صحيح. أخرجه أبو يعلى كما في «إتحاف المهرة» ٦٣٤٥ وابن حبان ٥٧٠٩ والطبراني ٢٢ / ٣٩٠ والواحدي في «الأسباب» ١٠٥ من طريق هدبة بن خالد عن حماد بن سلمة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن الضحاك بن أبي جبيرة به. كذا وقع عندهم سوى الطبراني قال : أبو جبيرة بن الضحاك. وهذا هو الصواب.
ورجال إسناده رجال البخاري ومسلم سوى حمّاد فقد تفرد عنه مسلم. وصحابية مختلف في صحبته. قال البوصيري في «الإتحاف» : رجال أبي يعلى ثقات. وقال الهيثمي في «المجمع» ٦ / ٣١٧ : رجاله رجال الصحيح.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
