عباس ، والحسن ، ومجاهد في آخرين. قال بعض أهل العلم : لمّا كانت المباشرة قد تقع على ما دون الجماع ، أباحهم الجماع الذي يكون من مثله الولد ، فقال : (وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ) ، يريد : الولد. والثاني : أنّ الذي كتب لهم الرّخصة ، وهو قول قتادة ، وابن زيد. والثالث : أنه ليلة القدر ، رواه أبو الجوزاء عن ابن عباس. والرابع : أنه القرآن ، فمعنى الكلام : اتّبعوا القرآن ، فما أبيح لكم وأمرتم به فهو المبتغى ، وهذا اختيار الزجّاج.
قوله تعالى : (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ). قال عديّ بن حاتم :
(٧١) لمّا نزلت هذه الآية ، عمدت إلى عقالين ، أبيض وأسود ، فجعلتهما تحت وسادتي ، فجعلت أقوم في الليل ولا أستبين الأسود من الأبيض ، فلمّا أصبحت ؛ غدوت على رسول الله فأخبرته ، فضحك وقال : «إن كان وسادك إذا لعريض ، إنّما ذاك بياض النّهار من سواد اللّيل».
(٧٢) وقال سهل بن سعد : نزلت هذه الآية : (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) ، ولم ينزل : (مِنَ الْفَجْرِ) ، وكان رجال إذا أرادوا الصّوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأسود والخيط الأبيض ، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبيّن له رؤيتهما ، فأنزل الله بعد ذلك (مِنَ الْفَجْرِ) ، فعلموا أنّما يعني بذلك الليل والنهار.
فصل : إذا شكّ في الفجر ، فهل يدع السّحور أم لا؟ فظاهر كلام أحمد يدلّ على أنّه لا يدع السّحور ، بل يأكل حتى يستيقن طلوع الفجر. وقال مالك : أكره له أن يأكل إذا شكّ في طلوع الفجر ، فإن أكل فعليه القضاء. وقال الشّافعيّ : لا شيء عليه (١).
قوله تعالى : (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ) ، في هذه المباشرة قولان : أحدهما : أنها المجامعة ، وهو قول الأكثرين. والثاني : أنها ما دون الجماع من اللّمس والقبلة ، قاله ابن زيد. وقال قتادة : كان الرجل المعتكف إذا خرج من المسجد ، فلقي امرأته باشرها إذا أراد ذلك ، فوعظهم الله في ذلك.
فصل : الاعتكاف في اللغة : اللّبث ، يقال : فلان معتكف على كذا ، وعاكف. وهو فعل مندوب إليه ، إلّا أن ينذره الإنسان ، فيجب. ولا يجوز إلّا في مسجد تقام فيه الجماعات ، ولا يشترط في حقّ
____________________________________
(٧١) صحيح. أخرجه البخاري ١٩١٦ و ٤٥٠٩ و ٤٥١٠ ومسلم ١٠٩٠ وأبو داود ٢٣٤٩ والترمذي ٢٩٧٠ و ٢٩٧١ وأحمد ٤ / ٣٧٧ والدارمي ٢ / ٥ والطحاوي ٢ / ٥٣ وابن خزيمة ١٩٢٥ وابن حبان ٣٤٦٢ و ٣٤٦٣ والحميدي ٩١٦ وابن أبي شيبة ٣ / ٢٨ والطبراني ١٧٢ و ١٧٩ والبيهقي ٤ / ٢١٥ والبغوي ١ / ١٥٨ من طرق عن عدي بن حاتم. وانظر «تفسير الشوكاني» ٢٩٠ بتخريجنا.
(٧٢) صحيح. أخرجه البخاري ١٩١٧ ومسلم ١٠٩١ والنسائي في «التفسير» ٤٢ والطبري ٢ / ١٠٠ والبيهقي ٤ / ٢١٥ من حديث سهل بن سعد. وانظر «تفسير الشوكاني» ٢٨٩ بتخريجنا.
__________________
أن القول الثاني هو الاقرب يدل عليه سياق الآيات وسباقها وأما القول الثالث فهو ضريب بعيد. وأما القول الرابع فهو مما يدخل في القول الثاني ، والله أعلم.
(١) فائدة : قال القرطبي رحمهالله ٢ / ٣٢٥ : من شك في طلوع الفجر لزمه الكف عن الأكل ، فإن أكل مع شكه فعليه القضاء ، كالناس. ومن أهل العلم بالمدينة وغيرها من لا يرى عليه شيئا حتى يتبين له طلوع الفجر.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
