رجلا ؛ فنزلت هذه الآية (١). ومعنى «كتب» : فرض ، قاله ابن عباس وغيره. والقصاص : مقابلة الفعل بمثله ، مأخوذ من : قصّ الأثر ، فإن قيل : كيف يكون القصاص فرضا والوليّ مخيّر بينه وبين العفو؟ فالجواب : أنه فرض على القاتل للوليّ ، لا على الوليّ.
قوله تعالى : (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) ، أي : من دم أخيه ؛ أي : ترك له القتل ، ورضي منه بالدّية. ودلّ قوله : (مِنْ أَخِيهِ) على أنّ القاتل لم يخرج عن الإسلام ، (فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي : مطالبته بالمعروف ، يأمر آخذ الدّية بالمطالبة الجميلة التي لا يرهقه فيها. (وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ) يأمر المطالب بأن لا يبخس ولا يماطل (ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) ، قال سعيد بن جبير : كان حكم الله على أهل التّوراة أن يقتل قاتل العمد ، ولا يعفى عنه ، ولا يؤخذ منه دية ، فرخّص الله لأمّة محمّد ، فإن شاء وليّ المقتول عمدا قتل ، وإن شاء عفا ، وإن شاء أخذ الدّية.
قوله تعالى : (فَمَنِ اعْتَدى) ، أي : ظلم ، فقتل قاتل صاحبه بعد أخذ الدّية ؛ (فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ) ، قال قتادة : يقتل ولا تقبل منه الدّية.
فصل : ذهب جماعة من المفسّرين إلى أنّ دليل خطاب هذه الآية منسوخ ، لأنّه لمّا قال : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) ؛ اقتضى أن لا يقتل العبد بالحرّ ، وكذلك لمّا قال : (وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى) اقتضى أن لا يقتل الذّكر بالأنثى من جهة دليل الخطاب ، وذلك منسوخ بقوله تعالى : (وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) (٢) ، وقال شيخنا عليّ بن عبد الله : وهذا عند الفقهاء ليس بنسخ ، لأنّ الفقهاء يقولون : دليل الخطاب حجّة ما لم يعارضه دليل أقوى منه (٣).
__________________
(١) أخرجه الطبري ٢٥٦٧ عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة مرسلا ، وأخرجه عبد الرزاق ١٦٣ والطبري ٢٥٦٨ عن معمر عن قتادة. ولم أره عن شيبان عن قتادة ، وشيبان هو ابن عبد الرحمن ، وهو ممن يروي عن قتادة.
وله شاهد من مرسل الشعبي ، أخرجه الطبري ٢٥٦٦ ، فهذا الشاهد يقوي ما قبله ، والله أعلم.
(٢) المائدة : ٤٥.
(٣) قال الإمام الموفق رحمهالله في «المغني» : ويقتل الذكر بالأنثى ، والأنثى بالذكر ، هذا قول عامة أهل العلم ، منهم النخعي ، والشعبي ، والزّهري ، وعمر بن عبد العزيز ومالك ، وأهل المدينة ، والشافعي وإسحاق ، وأصحاب الرأي ، وغيرهم. وروي عن علي رضي الله عنه ، أنه قال : يقتل الرجل بالمرأة ، ويعطى أولياؤه نصف الدية. أخرجه سعيد. وروي مثل هذا عن أحمد. وحكي ذلك عن الحسن ، وعطاء. وحكي عنهما مثل قول الجماعة. ولعلّ من ذهب إلى القول الثاني يحتجّ بقول عليّ ، رضي الله عنه ، ولأن عقلها نصف عقله ، فإذا قتل بها بقي له بقية ، فاستوفيت ممن قتله. ولنا قوله تعالى : (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ). وقوله : (الْحُرُّ بِالْحُرِّ) مع عموم سائر النصوص ، وقد ثبت أن النبي صلىاللهعليهوسلم أرسل قتل يهوديا رضّ رأس جارية من الأنصار. وروى أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والأسنان ، وأن الرجل يقتل بالمرأة. وهو كتاب مشهور عند أهل العلم ، متلقى بالقبول عندهم ، ولأنهما شخصان يحدّ كل واحد منهم بقذف صاحبه ، فقتل كل واحد منهما بالآخر ، كالرجلين ، ولا يجب مع القصاص شيء ، لأنه قصاص واجب ، فلم يجب معه شيء على المقتص ، كسائر القصاص ، واختلاف الأبدال لا عبرة به في القصاص بدليل أن الجماعة يقتلون بالواحد ، والنصراني يؤخذ بالمجوسي ، مع اختلاف دينيهما ، ويؤخذ العبد بالعبد ، مع اختلاف قيمتهما. ويقتل كل واحد من الرجل والمرأة بالخنثى ، ويقتل بهما ، لأنه لا يخلو من أن يكون ذكرا أو أنثى. وقال ابن كثير رحمهالله في «تفسيره» ١ / ٢٠٩ ـ ٢١٠ : ذهب أبو حنيفة إلى
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
