فعلى هذا قوله (كُلُوا وَاشْرَبُوا) صورته صورة الأمر والمراد به الإباحة المحضة. وقال قوم إنه أمر لا يزيد (١) في سرورهم إذا علموا ان الله يريد منهم ذلك إلا انهم لا يختلفون ان ذلك ليس على وجه التكليف ، وإنه لا مشقة عليهم في ذلك. وأما شكرهم لنعم الله تعالى فما (٢) يرجع إلى الاعتقاد فهم مضطرون إليه ، لأن معارفهم ضرورية فهي خارجة عن التكليف. وما يرجع إلى اللسان فيجوز أن يكون لأهل الجنة فيه سرور.
ومعارف أهل الآخرة ضرورة. وهم ملجئون إلى ان لا يفعلوا القبيح. ولا بدّ ان يعرفوا الله تعالى لأن المثاب لا بدّ ان يعلم ان الثواب واصل إليه على الوجه الذي يستحقه ، ولا يصح ذلك إلا مع كمال العقل والمعرفة بالله تعالى وحكمته ليعلم ان ما فعله به هو الذي استحقه. والقول في المعاقب مثله. لأن من شرط الثواب ان يصل الى مستحقه مع الأعظام والإكرام من فاعل الثواب ، لأن الأعظام من غير فاعل الثواب لا يؤثر فيه ، والأعظام لا يعلم إلا مع القصد الى التعظيم ، ولا يجوز ان يعلم قصده من لا يعلمه. وكذلك القول في العقاب ، ووصوله على سبيل الاستخفاف والاهانة.
ولأن المثاب يجب ان يعلم ان ما فعل به يستحقه ومتى لم يعلم ذلك
__________________
(١) كذا في الأصل.
(٢) في الأصل : مما.
