فاذا خرج من مثل هذه البلدة ، ومن مثل هذه القبيلة انسان من غير أن مارس شيئا من العلوم ، ولا تتلمذ لأحد من العلماء البتة ، ثم بلغ فى معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله وأسمائه وأحكامه ، هذا المبلغ العظيم ، الّذي عجز جميع الأذكياء من العقلاء عن القرب منه ، وأقر الكل بأنه لا يمكن أن يزداد فى تقرير الدلائل على ما ورد فى القرآن ، ثم ذكر قصص الأولين وتواريخ المتقدمين بحيث لم يتمكن أحد من الأعداء أن يقول : انه أخطأ فى شيء منها ، بل بلغ كلامه فى البعد عن الريب والشك الى أن قال عند مجادلتهم اياه : (فَقُلْ : تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ) الى قوله : (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللهِ عَلَى الْكاذِبِينَ) [آل عمران ٦١] وقال : (تِلْكَ مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ نُوحِيها إِلَيْكَ ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ) [هود ٤٩] ولم يقدر أحد أن يقول : انه طالع كتابا أو تتلمذ لأستاذ.
وكانت هذه الأحوال الظاهرة معلومة للأصدقاء والأعداء على ما قال تعالى : (أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ؟ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) [المؤمنون ٦٩] وقال : (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ ، وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) [العنكبوت ٤٨] وقال : (فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ. أَفَلا تَعْقِلُونَ)؟ [يونس ١٦] وكل من له عقل سليم وطبع مستقيم ، يعلم أن هذه الأحوال لا تتيسر الا بالتعليم الالهى والهداية الربانية.
النوع الثانى : انه عليهالسلام كان قبل اظهار دعوى الرسالة والنبوة ، ما كان يشرع فى هذه المسألة الالهية ، وما كان يبحث عنها وما جرى على لسانه قط حديث النبوة والرسالة.
والّذي يدل على صحة قولنا : أنه لو اتفق له شروع فى هذه المطالب والمباحث ، قبل اظهار ادعاء الرسالة والنبوة ، لقالت الكفار له : انك أفنيت عمرك فى التدبر والتأمل ، وتحصيل هذه الكلمات حتى
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
