وانما قلنا : انه يمتنع حصول ذلك على التعاقب لا معا ، لأنه يقتضي أن يعود المغلوب بعد صيرورته مغلوبا : غالبا. وذلك محال.
الوجه الثالث : وهو أن شرط طريان أحد الضدين : زوال الضد الأول ، فلو كان زوال الضد الأول معللا بطريان الضد الثانى ، لزم توقف كل واحد منهما على الآخر. وهو محال.
فهذه الوجوه الثلاثة : دالة على المنع من صحة الموازنة.
وأما القول الثانى ـ وهو قول أبى على ، وهو اثبات القول بالاحباط مع القول بعدم الموازنة ـ فهذا أيضا باطل لوجهين :
الأول : ان هذا يقتضي أن من عبد الله تعالى من أول عمره الى آخره بأعظم الطاعات ، ثم شرب جرعة خمر ، أن يكون حاله وحال من لم يعبد الله قط على السوية. لأن عقاب شرب هذه الجرعة ، أبطل ثواب جميع تلك الطاعات ، ولم يسقط البتة من عقاب هذا الشرب شيء. ومعلوم أن ذلك باطل فى بداهة العقول.
والثانى : قوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) (الزلزلة ٧) فاذا كان عقاب الفسق أحبط ثواب الطاعات المتقدمة ، ولم يحبط بسبب ثواب تلك الطاعات شيء من عقاب هذه المعصية ، فقد ضاعت تلك الخيرات بالكلية. وذلك يناقض قوله تعالى : (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ) فثبت : أنه لو صح القول بالاحباط ، لكان اما مع الموازنة أولا مع الموازنة. وثبت فساد القسمين ، فوجب القول بفساد الاحباط أيضا.
ومما يدل أيضا على فساد الاحباط : أنه اذا كان مستحقا لعشرين جزءا من الثواب ، ثم أتى بمعصية استحق بها عشرة أجزاء من العقاب. فلو قلنا : بأن هذا الطارئ يحبط السابق ، لكان اما أن تحبط هذه العشرة الطارئة تلك العشرين المتقدمة ـ وهذا قول باطل بالاجماع ، لأنه يكون ظلما ـ واما أن تكون العشرة الطارئة تحبط من العشرين
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
