فكان القرآن بإعجازه وأحواله البارعة يصدق الذي جاء به ، وهذا قول صحيح المعنى جيد وغيره مما قدمناه متجه.
وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير فيما روي عنه ، وأبو جعفر والأعرج وشيبة وأبو رجاء والناس : «لتنذر» بالتاء ، أي أنت يا محمد ، ورجحها أبو حاتم ، وقرأ الباقون والأعمش «لينذر» أي القرآن و : (الَّذِينَ ظَلَمُوا) هم الكفار الذين جعلوا العبادة في غير موضعها في جهة الأصنام والأوثان.
وقوله : (وَبُشْرى) يجوز أن تكون في موضع رفع عطفا على قوله : (مُصَدِّقٌ) ، ويجوز أن تكون في موضع نصب ، واقعة موقع فعل عطفا على (لِيُنْذِرَ) أي وتبشر المحسنين ، ولما عبر عن الكفار ب (الَّذِينَ ظَلَمُوا) ، عبر عن المؤمنين ب «المحسنين» لتناسب لفظ الإحسان في مقابلة الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع الظلم. ثم أخبر تعالى عن حسن حال المسلمين المستقيمين ورفع عنهم الخوف والحزن ، وذهب كثير من الناس إلى أن معنى الآية : (ثُمَّ اسْتَقامُوا) بالطاعات والأعمال الصالحات. وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه المعنى : (ثُمَّ اسْتَقامُوا) بالدوام على الإيمان وترك الانحراف عنه.
قال القاضي أبو محمد : وهذا القول أعم رجاء وأوسع ، وإن كان في الجملة المؤمنة من يعذب وينفذ عليه الوعيد ، فهو ممن يخلد في الجنة وينتفي عنه الخوف والحزن الحال بالكفرة ، والخوف هو الهم لما يستقبل ، والحزن هو الهم بما مضى ، وقد يستعمل فيما يستقبل استعارة ، لأنه حزن لخوف أمر ما.
وقرأ ابن السميفع : «فلا خوف» دون تنوين.
وقوله : (جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ) ، «ما» واقعة على الجزء الذي هو اكتساب العبد ، وقد جعل الله الأعمال أمارات على صبور العبد ، لا أنها توجب على الله شيئا.
وقوله تعالى : (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) يريد النوع ، أي هكذا مضت شرائعي وكتبي لأنبيائي ، فهي وصية من الله في عباده.
وقرأ جمهور القراء : «حسنا» بضم الحاء وسكون السين ، ونصبه على تقدير وصيناه ليفعل أمرا ذا حسن ، فكأن الفعل تسلط عليه مفعولا ثانيا. وقرأ علي بن أبي طالب وأبو عبد الرحمن وعيسى : «حسنا» بفتح الحاء والسين ، وهذا كالأول ومحتمل كونهما مصدرين كالبخل والبخل ، ومحتمل ، أن يكون هذا الثاني اسما لا مصدرا ، أي ألزمناه بهما فعلا حسنا. وقرأ عاصم وحمزة والكسائي «إحسانا» ، ونصب هذا على المصدر الصريح والمفعول الثاني في المجرور ، والباء متعلقة ب (وَصَّيْنَا) أو بقوله : «إحسانا».
وبر الوالدين واجب بهذه الآية وغيرها ، وعقوقهما كبيرة ، وقال النبي صلىاللهعليهوسلم : كل شيء بينه وبين الله حجاب إلا شهادة أن لا إله إلا الله ودعوة الوالدين.
قال القاضي أبو محمد : ولن يدعوا إلا إذا ظلمهما الولد ، فهذا الحديث في عموم قوله عليهالسلام : «اتقوا دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب».
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
