قال القاضي أبو محمد : وهذه كلها ضمها المنشأ كشهوده حرب الفجار ينبل على أعماله وقلبه ، وفي ذلك كله منيب إلى الصواب ، وأما عبادة الأصنام فلم يلتبس بها قط ، وقرأ أنس بن مالك «وحططنا عنك وزرك» ، وفي حرف ابن مسعود «وحللنا عنك وقرك». وفي حرف أبي «وحططنا عنك وقرك» ، وذكر أبو عمرو أن النبي صلىاللهعليهوسلم صوب جميعها ، وقال المحاسبي : إنما وصفت ذنوب الأنبياء بالثقل ، وهي صغائر مغفورة لهمهم بها وتحسرهم عليها ، و (أَنْقَضَ) معناه جعله نقضا ، أي هزيلا معيبا من الثقل ، وقيل معناه أسمع له نقيضا وهو الصوت. وهو مثل نقيض السفن وكل ما حملته ثقلا فإنه ينتقض تحته ، وقال عباس بن مرداس : [الطويل]
|
وأنقض ظهري ما تطوقت مضهم |
|
وكنت عليهم مشفقا متحننا |
وقوله تعالى : (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) معناه ، نوهنا باسمك ، وذهبنا به كل مذهب في الأرض ، وهذا ورسول الله بمكة ، وقال أبو سعيد الخدري والحسن ومجاهد وقتادة : معنى قوله (وَرَفَعْنا لَكَ ذِكْرَكَ) أي قرنا اسمك باسمنا في الأذان وخطب. وروي في هذا الحديث «إن الله تعالى قال : إذا ذكرت معي». وهذا متجه إلى أن الآية نزلت بمكة قديما. والأذان شرع بالمدينة ، ورفع الذكر نعمة على الرسول ، وكذلك هو جميل حسن للقائمين بأمور الناس ، وخمول الاسم والذكر حسن للمنفردين للعبادة ، وقد جعل الله تعالى النعم أقساما بحسب ما يصلح لشخص شخص ، وفي الحديث : «إن الله تعالى يوقف عبدا يوم القيامة فيقول له : ألم أفعل بك كذا وكذا؟ يعدد عليه نعمه ، ويقول في جملتها : ألم أحمل ذكرك في الناس» ، والمعنى في هذا التعديد الذي على النبي صلىاللهعليهوسلم أي يا محمد ؛ قد فعلنا بك جميع هذا فلا تكترث بأذى قريش ، فإن الذي فعل بك هذه النعم سيظفرك بهم وينصرك عليهم ثم قوى رجاءه بقوله : (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) ، أي ما تراه من الأذى فرج يأتي ، وكرر تعالى ذلك مبالغة وتثبيتا للخير ، فقال بعض الناس : المعنى (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) في الدنيا ، وإن مع العسر يسرا في الآخرة ، وذهب كثير من العلماء إلى أن مع كل عسر يسرين بهذه الآية من حيث العسر معروف للعهد واليسر منكر ، فالأول غير الثاني ، وقد روي في هذا التأويل حديث عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «لن يغلب عسر يسرين». وأما قول عمر به فنص في الموطأ في رسالته إلى أبي عبيدة بن الجراح. وقرأ عيسى ويحيى بن وثاب وأبو جعفر : «العسر واليسر» بضمتين ، وقرأ ابن مسعود (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) واحدا غير مكرر ، ثم أمر تعالى نبيه إذا فرغ من شغل من أشغال النبوة والعبادة أن ينصب في آخر ، والنصب التعب ، فالمعنى أن يرأب على ما أمر به ولا يفتر ، وقال ابن عباس : المعنى (فَإِذا فَرَغْتَ) من فرضك (فَانْصَبْ) في النفل عبادة لربك ، وقال ابن مسعود : (فَانْصَبْ) في قيام الليل ، وعن مجاهد ، (فَإِذا فَرَغْتَ) من شغل دنياك (فَانْصَبْ) في عبادة ربك ، وقيل المعنى إذا فرغت من الركعات فاجلس في التشهد وانصب في الدعاء ، وقال ابن عباس وقتادة : معنى الكلام (فَإِذا فَرَغْتَ) من العبادة (فَانْصَبْ) في الدعاء. وقال الحسن بن أبي الحسن : المعنى (فَإِذا فَرَغْتَ) من الجهاد (فَانْصَبْ) في العبادة ، ويعترض هذا التأويل بأن الجهاد فرض بالمدينة ، وقرأ أبو السمال «فرغت» بكسر الراء وهي لغة ، وقرأ قوم «فانصبّ» بشد الباء وفتحها ، ومعناه إذا
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
