مجاهد : أراد (السَّبِيلَ) عامة اسم الجنس في هدى وضلال أي يسر قوما لهذا كقوله تعالى : (إِنَّا هَدَيْناهُ السَّبِيلَ إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان : ٣] ، وقوله تعالى : (وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ) [البلد: ١٠] وقوله تعالى : (فَأَقْبَرَهُ) معناه أمر أن يجعل له قبر ، وفي ذلك تكريم لئلا يطرح كسائر الحيوان ، والقابر هو الذي يتناول جعل الميت في قبره ، والمقبر الذي يأمر بقبر الميت ، ويقرره ، و (أَنْشَرَهُ) معناه : أحياه ، يقال : نشر الميت وأنشره الله ، وقوله : (إِذا شاءَ) يريد إذا بلغ الوقت الذي شاءه وهو يوم القيامة ، وقرأ بعض القراء : (شاءَ أَنْشَرَهُ) بتحقيق الهمزتين ، وقرأ جمهور الناس : (شاءَ أَنْشَرَهُ) بمدة وتسهيل الهمزة الأولى ، وقرأ شعيب بن أبي حمزة : «شاء نشره» ، وقرأ الأعمش: «شاء انشره» بهمزة واحدة ، وقوله تعالى : (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ) رد لما عسى أن للكفار من الاعتراضات في هذه الأقوال المسرودة ونفي مؤكد لطاعة الإنسان لربه وإثبات أنه ترك حق الله تعالى ، ولم يقض ما أمره ، قال مجاهد : لا يقضي أحد أبدا ما افترض عليه ، ثم أمر تعالى الإنسان بالعبرة والنظر إلى طعامه والدليل فيه ، وذهب أبيّ بن كعب وابن عباس والحسن ومجاهد وغيره إلى أن المراد (إِلى طَعامِهِ) إذا صار رجيعا ليتأمل حيث تصير عاقبة الدنيا ، وعلى أي شيء يتفانى أهلها وتستدير رحاها ، وهذا نظير ما روي عن ابن عمر : أن الإنسان إذا أحدث فإن ملكا يأخذ بناصيته عند فراغه فيرد بصره إلى نحوه موقفا له ومعجبا فينفع ذلك من له عقل ، وذهب الجمهور إلى أن معنى الآية : فلينظر إلى مطعوماته وكيف يسرها الله تعالى له بهذه الوسائط المذكورة من صب الماء وشق الأرض ، ويروى أن رجلا أضافه عابد فقدم إليه رغيفا قفارا فكأن الرجل استخشنه فقال له : كله فإن الله تعالى لم ينعم به وكمله حتى سخر فيه ثلاثمائة وستين عاملا الماء والريح والشمس ثلاثة من ذلك ، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي : «أنّا صببنا» بفتح الألف على البدل وهي قراءة الأعرج وابن وثاب والأعمش ، ورد على هذا الإعراب قوم بأن الثاني ليس الأول وليس كما ردوا لأن المعنى : (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسانُ) إلى إنعامنا في طعامه فترتب البدل وصح ، «وأنا» في موضع خفض ، وقرأ الجمهور : «إنا» بكسر الألف على استئناف تفسير الطعام ، وقرأ بعض القراء : «أنى» بمعنى كيف ذكرها أبو حاتم ، و «صب الماء» : هو المطر ، و «شق الأرض» : هو بالنبات ، و «الحب» : جمع حبة بفتح الحاء وهو كل ما يتخذه الناس ويربونه كالقمح والشعير ونحوه ، والحبة بكسر الحاء كل ما ينبت من البزور ولا يحفل به ولا هو بمتخذ ، و «القضب» قال بعض اللغويين : هي الفصافص ، وهذا عندي ضعيف ، لأن الفصافص هي للبهائم فهي دخل في الأبّ ، وقال أبو عبيدة : «القضب» الرطبة ، قال ثعلب : لأنه يقضب كل يوم. والذي أقوله إن «القضب» هنا هو كل ما يقضب ليأكله ابن آدم ، وغضا من النبات كالبقول والهليون ونحوه ، فإنه من المطعوم جزء عظيم ولا ذكر له في الآية إلا في هذه اللفظة ، والغلب الغلاظ الناعمة ، و «الحديقة» الشجر الذي قد أحدق بجدار أو نحوه ، و «الأبّ» : المرعى قاله ابن عباس ومجاهد وابن زيد وقتادة ، وقال الضحاك : «الأبّ» : التبن ، وفي اللفظة غرابة وقد توقف في تفسيرها أبو بكر وعمر رضي الله عنهما ، و (مَتاعاً) نصب على المصدر ، والمعنى تتمتعون به أنتم وأنعامكم ، فابن آدم في السبعة المذكورة والأنعام في الأبّ.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
