لا كالذي لا يضر ولا ينفع من أوثانكم. ثم ذكر تعالى الآية الكبرى ، الصنعة الدالة على الصانع ، وذلك (خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ).
وقوله تعالى : (وَما بَثَّ فِيهِما) يتخرج على وجوه ، منها أن يريد إحداهما فيذكر الاثنين كما قال : (يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ) [الرحمن : ٢٢] وذلك إنما يخرج من الملح وحده ، ومنها أن يكون تعالى قد خلق السماوات وبث دواب لا نعلمها نحن ، ومنها أن يريد الحيوانات التي توجد في السحاب ، وقد يقع أحيانا كالضفادع ونحوها ، فإن السحاب داخل في اسم السماء. وحكى الطبري عن مجاهد أنه قال في تفسير : (وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ) هم الناس والملائكة ، وبعيد غير جار على عرف اللغة أن تقع الدابة على الملائكة.
وقوله تعالى : (وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ) يريد القيامة عند الحشر من القبور وقوله تعالى : (وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ) قرأ جمهور القراء : «فبما» بفاء ، وكذلك هي في جل المصاحف. وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر وشيبة : «بما» دون فاء. وحكى الزجاج أن أبا جعفر وحده من المدنيين أثبت الفاء. قال أبو علي الفارسي : «أصاب» ، من قوله : «وما أصاب» يحتمل أن يكون في موضع جزم ، وتكون (ما) شرطية ، وعلى هذا لا يجوز حذف الفاء عند سيبويه ، وجوز حذفها أبو الحسن الأخفش وبعض البغداديين على أنها مرادة في المعنى ، ويحتمل أن يكون «أصاب» صلة لما ، وتكون (ما) بمعنى الذي ، وعلى هذا يتجه حذف الفاء وثبوتها ، لكن معنى الكلام مع ثبوتها التلازم ، أي لو لا كسبكم ما أصابتكم مصيبة ، والمصيبة إنما هي بسبب كسب الأيدي ، ومعنى الكلام مع حذفها يجوز أن يكون التلازم ، ويجوز أن يعرى منه ، وأما في هذه الآية فالتلازم مطرد مع الثبوت والحذف.
وأما معنى الآية فاختلف الناس فيه ، فقالت فرقة : هي إخبار من الله تعالى بأن الرزايا والمصائب في الدنيا إنما هي مجازاة من الله تعالى على ذنوب المرء وخطاياه ، وأن الله تعالى يعفو عن كثير فلا يعاقب عليه بمصيبة ، وقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «لا يصيب ابن آدم خدش عود أو عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو عنه أكثر» ، وقال عمران بن حصين وقد سئل عن مرضه إن أحبه إلي أحبه إلي الله ، وهذا بما كسبت يداي ، وعفو ربي كثير. وقال مرة الهمداني : رأيت على ظهر كف شريح قرحة فقلت ما هذا؟ قال هذا بما كسبت يدي (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ، وقيل لأبي سليمان الداراني : ما بال الفضلاء لا يلومون من أساء إليهم؟ فقال لأنهم يعلمون أن الله تعالى هو الذي ابتلاهم بذنوبهم. وروي عن علي بن أبي طالب عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال : «إن الله أكرم من أن يثني على عبده العقوبة إذا أصابته في الدنيا بما كسبت يداه». وقال الحسن بن أبي الحسن ، معنى الآية في الحدود : أي ما أصابكم من حد من حدود الله ، وتلك مصائب تنزل بشخص الإنسان ونفسه ، فإنما هي بكسب أيديكم (وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ) ، فستره على العبد حتى لا يحد عليه. ثم أخبر عن قصور ابن آدم وضعفه وأنه في قبضة القدرة ، لا يعجز طلب ربه ، ولا يمكنه الفرار منه و (الْجَوارِ) جمع جارية ، وهي السفينة.
وقرأ : الجواري بالياء نافع وعاصم وأبو عمرو وأبو جعفر وشيبة ، ومنهم من أثبتها في الوصل ووقف
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
