ابن عباس وابن أبي إسحاق والحسن : «نون» بكسر النون ، وهذا كما تقول في القسم بالله ، وكما تقول : «جبر» وقيل كسرت لاجتماع الساكنين ، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم : «نون» بسكون النون ، وهذا على أنه حرف منفصل فحقه الوقوف عليه ، وقرأ قوم ، منهم الكسائي : (ن وَالْقَلَمِ) بالإدغام دون غنة ، وقرأ آخرون بالإدغام وبغنة ، وقرأ الكسائي ويعقوب عن نافع وأبو بكر عن عاصم بالإخفاء بين الإدغام والإظهار. و (يَسْطُرُونَ) معناه : يكتبون سطورا ، فإن أراد الملائكة فهو كتب الأعمال وما يؤمرون به ، وإن أراد بني آدم ، فهي الكتب المنزلة والعلوم وما جرى مجراها ، وقوله : (ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ) هو جواب القسم و (ما) هنا عاملة لها اسم وخبر ، وكذلك هي حيث دخلت الباء في الخبر ، وقوله : (بِنِعْمَةِ رَبِّكَ) اعتراض ، كما يقول الإنسان : أنت بحمد الله فاضل.
وسبب هذه الآية ، أن قريشا رمت رسول الله صلىاللهعليهوسلم بالجنون ، وهو ستر العقول ، بمعنى أن كلامه خطأ ككلام المجنون ، فنفى الله تعالى ذلك عنه وأخبره بأن له الأجر ، وأنه على الخلق العظيم ، تشريفا له ومدحا.
واختلف الناس في معنى : (مَمْنُونٍ) فقال أكثر المفسرين هو الواهن المنقطع ، يقال : حبل منين ، أي ضعيف. وقال آخرون : معناه (غَيْرَ مَمْنُونٍ) عليك أي لا يكدره من به. وقال مجاهد : معناه غير مصرد ولا محسوب محصل أي بغير حساب ، وسئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت : خلقه القرآن أدبه وأوامره ، وقال علي رضي الله عنه : الخلق العظيم أدب القرآن ، وعبر ابن عباس عن الخلق بالدين والشرع وذلك لا محالة رأس الخلق ووكيده ، أما أن الظاهر من الآية أن الخلق هي التي تضاد مقصد الكفار في قولهم مجنون ، أي غير محصل لما يقول ، وإنما مدحه تعالى بكرم السجية وبراعة القريحة والملكة الجميلة وجودة الضرائب ، ومنه قوله عليهالسلام : «بعث لأتمم مكارم الأخلاق». وقال جنيد : سمي خلقه عظيما ، إذ لم تكن له همة سوى الله تعالى ، عاشر الخلق بخلقه وزايلهم بقلبه ، فكان ظاهره مع الخلق وباطنه مع الحق ، وفي وصية بعض الحكماء عليك بالخلق مع الخلق وبالصدق مع الحق ، وحسن الخلق خير كله. وقال صلىاللهعليهوسلم : «إن المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة ، قائم الليل وصائم النهار». وقال : «ما شيء أثقل في الميزان من خلق حسن» ، وقال : «أحبكم إلى الله أحسنكم أخلاقا» ، والعدل والإحسان والعفو والصلة من الخلق. وقوله تعالى : (فَسَتُبْصِرُ) أي أنت وأمتك ، و (يُبْصِرُونَ) أي هم. واختلف الناس في معنى قوله : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ). فقال أبو عثمان المازني: الكلام تام في قوله : (يُبْصِرُونَ) ، ثم استأنف قوله : (بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ) ، وقال الأخفش بل الإبصار عامل في الجملة المستفهم عنها في معناها ، وأما الباء فقال أبو عبيدة معمر وقتادة : هي زائدة ، والمعنى : أيكم المفتون. وقال الحسن والضحاك : (الْمَفْتُونُ) بمعنى الفتنة ، كما قالوا : ما له معقول ، أي عقل ، وكما قالوا : اقبل ميسوره ودع معسوره ، فالمعنى : (بِأَيِّكُمُ) هي الفتنة والفساد الذي سموه جنونا ، وقال آخرون : (بِأَيِّكُمُ) فتن (الْمَفْتُونُ) وقال الأخفش ، المعنى : (بِأَيِّكُمُ) فتنة (الْمَفْتُونُ) ، ثم حذف المضاف وأقيم ما أضيف إليه مقامه ، وقال مجاهد والفراء : الياء بمعنى : في أي ، في أي فريق منكم النوع المفتون.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
