سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى يُسَبِّحُ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) (٢٤)
لما قال تعالى : (مِنْ خَشْيَةِ اللهِ) [الحشر : ٢١] جاء بالأوصاف التي توجب لمخلوقاته هذه الخشية ، و «الغيب» ما غاب عن المخلوقين ، و «الشهادة» ما شاهدوه. وقال حرب المكي «الغيب» : الآخرة «والشهادة» : الدنيا. وقرأ جمهور الناس : «القدوس» بضم القاف ، وهو فعول من تقدس إذا تطهر ، وحظيرة القدس الجنة ، لأنها طاهرة ، ومنه روح القدس ، ومنه الأرض المقدسة بيت المقدس ، وروي عن أبي ذر أنه قرأ : «القدوس» بفتح القاف وهي لغة ، و (السَّلامُ) معناه : الذي سلم من جوره ، وهذا اسم على حذف مضاف أي ذو «السلام» ، لأن الإيمان به وتوحيده وأفعاله هي لمن آمن سلام كلها ، و (الْمُؤْمِنُ) اسم فاعل من آمن بمعنى أمن. قال أحمد بن يحيى ثعلب معناه : المصدق للمؤمنين في أنهم آمنوا. قال النحاس : أو في شهادتهم على الناس في القيامة. وقال ناس من المتأولين معناه : المصدق نفسه في أقواله الأزلية : لا إله غيره و (الْمُهَيْمِنُ) معناه : الأمين والحفيظ. قاله ابن عباس وقال مؤرج : (الْمُهَيْمِنُ) : الشاهد بلغة قريش ، وهذا بناء لم يجىء منه في الصفات إلا مهيمن ومسيطر ومبيقر ومبيطر ، جاء منه في الأسماء مجيمر : وهو اسم واد ومديبر. و : (الْعَزِيزُ) الذي لا يغلب والقاهر الذي لا يقهر يقال عزيز إذا غلب برفع العين في المستقبل. قال الله تعالى : (وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) [ص : ٢٣] أي غلبني ، وفي المثل من عز بزّ أي من غلب سلب ، و (الْجَبَّارُ) هو الذي لا يدانيه شيء ولا يلحق رتبه ، ومنه نخلة جبارة إذا لم تلحق وأنشد الزهراوي : [الطويل]
|
أطافت به جيلان عند قطاعه |
|
وردت إليه الماء حتى تجبرا |
و (الْمُتَكَبِّرُ) معناه الذي له التكبر حقا ، ثم نزه الله تعالى نفسه عن إشراك الكفار به الأصنام التي ليس لها شيء من هذه الصفات ، و : (الْبارِئُ) بمعنى (الْخالِقُ) ، برأ الله الخلق أي أوجدهم ، و : (الْمُصَوِّرُ) هو الذي يوجد الصور ، وقرأ علي بن أبي طالب : «المصوّر» بنصب الواو والراء على إعمال (الْبارِئُ) به ، وهي حسنة يراد بها الجنس في الصور ، وقال قوم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه إنه قرأ : «المصوّر» بفتح الواو وكسر الراء على قولهم الحسن الوجه وقوله تعالى : (لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) أي ذات الحسن في معانيها القائمة بذاته لا إله إلا هو ، وهذه الأسماء هي التي حصرها رسول الله صلىاللهعليهوسلم بقوله : «إن الله تعالى تسعة وتسعين اسما ، مائة إلا واحدا من أحصاها دخل الجنة» ، وقد ذكرها الترمذي وغيره مسندة ، واختلف في بعضها ولم يصح فيها شيء إلا إحصاؤها دون تعين ، وباقي الآية بين.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
