وفي قلوبهم أشتات» ، وهذه حال الجماعات المتخاذلة وهي المغلوبة أبدا فيما يحاول ، واللفظة مأخوذة من الشتات وهو التفرق ونحوه ، وقوله تعالى : (كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) معناه مثلهم (كَمَثَلِ) ، و (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) ، قال ابن عباس : هم بنو قينقاع ، لأن النبي صلىاللهعليهوسلم أجلاهم عن المدينة قبل بني النضير وكانوا مثلا لهم ، وقال قتادة ومجاهد : (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) أهل بدر الكفار فإنهم قبلهم ومثل لهم في أن غلبوا وقهروا ، وقال بعض المتأولين : الضمير في قوله (قَبْلِهِمْ) للمنافقين ، و (الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) هم منافقوا الأمم المتقدمة وذلك أنهم غلبوا ونالتهم الذلة على وجه الدهر فهم مثل لهؤلاء ، ولكن قوله (قَرِيباً) إما أن يكون في زمن موسى وإلا فالتأويل المذكور يضعف ، إلا أن تجعل (قَرِيباً) ظرفا للذوق ، فيكون التقدير (ذاقُوا وَبالَ أَمْرِهِمْ قَرِيباً) من عصيانهم وبحدثانه ، ولا يكون المعنى أن المثل قريب في الزمن من الممثل له ، وعلى كل تأويل ف (قَرِيباً) ظرف أو نعت لظرف والوبال : الشدة والمكروه وعاقبة السوء ، و «العذاب الأليم» : هو في الآخرة ، وقوله تعالى : (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) معناه مثل هاتين الفرقتين من المنافقين وبني النضير (كَمَثَلِ الشَّيْطانِ) والإنسان ، فالمنافقون مثلهم الشيطان وبنو النضير مثلهم الإنسان ، وذهب مجاهد وجمهور من المتأولين إلى أن «الشيطان» و «الإنسان» في هذه الآية أسماء جنس لأن العرف أن يعمل هذا شياطين بناس كما يغوي الشيطان الإنسان ثم يفر منه بعد أن يورطه ، كذلك أغوى المنافقون بني النضير وحرضوهم على الثبوت ووعدوهم النصر ، فلما نشب بنو النضير وكشفوا عن وجوههم تركهم المنافقون في أسوأ حال ، وذهب قوم من رواة القصص أن هذا شيطان مخصوص مع عابد من العباد مخصوص ، وذكر الزجاج أن اسمه برصيص ، قالوا إنه استودع امرأة وقيل سيقت إليه ليشفيها بدعائه من الجنون فسول له الشيطان الوقوع عليها فحملت ، فخشي الفضيحة ، فسول له قتلها ودفنها ، ففعل ثم شهره ، فلما استخرجت المرأة وحمل العابد شر حمل وهو قد قال : إنها قد ماتت فقمت عليها ودفنتها ، فلما وجدت مقتولة علموا كذبه فتعرض له الشيطان فقال له : اكفر واسجد لي وأنجيك ، ففعل وتركه عند ذلك. وقال (إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ) ، وهذا كله حديث ضعيف ، والتأويل الأول هو وجه الكلام وقول الشيطان : (إِنِّي أَخافُ اللهَ) ، رياء من قوله وليست على ذلك عقيدته ، ولا يعرف الله حق معرفته ولا يحجزه خوفه عن سوء يوقع فيه ابن آدم من أول إلا آخر ، وقوله تعالى : (فَكانَ عاقِبَتَهُما) الآية ، يحتمل الضمير أن يعود على المخصوصين المذكورين ، ويحتمل أن يعود على اسمي الجنس أي هذا هو عاقبة كل شيطان وإنسان يكون أمرهما هكذا ، وقرأ الحسن وعمرو بن عبيد : «عاقبتهما» بالرفع ، وقرأ جمهور الناس : «عاقبتهما» بالنصب وموضع أن يخالف إعراب المعاقبة في القراءتين إن شاء الله تعالى ، وقرأ الأعمش وابن مسعود : «خالدان» بالرفع على أنه خبر «أن» ، والظرف ملغى ، ويلحق هذه الآية من الاعتراض إلغاء الظرف مرتين قاله الفراء ، وذلك جائز عند سيبويه على التأكيد.
قوله عزوجل :
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٨)
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
