قدم علينا شاب من بلخ حاجا فقال : ما حد الزهد عندكم؟ فقلت : إذا وجدنا أكلنا وإذا فقدنا صبرنا ، فقال : هكذا عندنا كلاب بلخ ، فقلت له : فما هو عندكم ، فقال : إذا فقدنا صبرنا وإذا وجدنا آثرنا وروي : أن سبب هذه الآية أن النبي صلىاللهعليهوسلم لما قسم هذه القرى في المهاجرين قال للأنصار : «إن شئتم قسمتم للمهاجرين من أموالكم ودياركم وشاركتموهم في هذه الغنيمة ، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وتركتم لهم هذه» ، فقالوا : بل نقسم لهم من أموالنا ونترك لهم هذه الغنيمة ، فنزلت هذه الآية. والخصاصة : الفاقة والحاجة ، وهو مأخوذ من خصائص البيت وهو ما يبقى بين عيدانه من الفرج والفتوح فكأن حال الفقير هي كذلك يتخللها النقص والاحتياج ، و «شح النفس» هو كثرة منعها وضبطها على المال والرغبة فيه وامتداد الأمل هذا جماع شح النفس وهو داعية كل خلق سوء ، وقد قال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «من أدى الزكاة المفروضة وقرى الضيف وأعطى في النائبة فقد برىء من الشح» ، واختلف الناس بعد هذا الذي قلنا ، فذهب الجمهور والعارفون بالكلام إلى هذا وعلى هذا التأويل ، كان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه يطوف ويقول : اللهم قني شح نفسي ، لا يزيد على ذلك ، فقيل له في ذلك فقال إذا وقيته لم أفعل سوءا.
قال القاضي أبو محمد : «شح النفس» فقر لا يذهبه غنى المال بل يزيده وينصب به ، وقال ابن زيد وابن جبير وجماعة : من لم يأخذ شيئا نهاه الله تعالى عنه ولم يمنع الزكاة المفروضة فقد برىء من شح النفس. وقال ابن مسعود رحمهالله «شح النفس» : هو أكل مال الغير بالباطل ، وأما منع الإنسان ماله فهو بخل وهو قبيح ، ولكنه ليس بالشح. وقرأ عبد الله بن عمر : «شح» بكسر السين ، ويوقى وزنه : يفعل من وقى يقي مثل وزن يزن. وقرأ أبو حيوة : «يوقّ» بفتح الواو وشد القاف و (الْمُفْلِحُونَ) : الفائزون ببغيتهم.
واختلف الناس في قوله تعالى : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) فقال الفراء : أراد الفرقة الثالثة من الصحابة وهي من آمن أو كبر في آخر مدة النبي صلىاللهعليهوسلم. وقال جمهور العلماء : أراد من يجيء من التابعين وغيرهم إلى يوم القيامة ، فوصف الله تعالى القول الذي ينبغي أن يلتزمه كل من لم يكن من الصدر الأول وإعراب (الَّذِينَ) رفع عطفا على (هُمُ) أو على (الَّذِينَ) أو رفع بالابتداء. وقوله تعالى : (يَقُولُونَ) حال فيها الفائدة والمراد : والذين جاؤوا قائلون كذا أو يكون يقولون صفة ، ولهذه الآية قال مالك وغيره : إنه من كان له في أحد من الصحابة قول سوء أو بغض فلا حظ له في الغنيمة أدبا له ، وجاء عراقيون إلى علي بن الحسين فسبوا أبا بكر وعمر وعثمان فقال لهم : أمن المهاجرين الأولين أنتم؟ فقالوا : لا ، أفمن (الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ)؟ قالوا : لا ، قال فقد تبرأتم من هذين الفريقين ، وأنا أشهد أنكم لستم من الذين قال الله تعالى فيهم : (وَالَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ) الآية. قوموا فعل الله بكم وفعل ، وقال الحسن أدركت ثلاثمائة من الصحابة منهم سبعون بدريا كلهم يحدثني أن النبيصلىاللهعليهوسلم قال : «من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه. فالجماعة أن لا تسبوا الصحابة ولا تماروا في دين الله ولا تكفروا أحدا من أهل التوحيد بذنب». والغل : الحقد والاعتقاد الرديء ، وقرأ الأعمش : «في قلوبنا غمرا للذين» والغمر : الحقد ، وقد تقدم الاختلاف في قراءة (رَؤُفٌ).
قوله عزوجل :
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
