إلى قومه فقال : إني وجدت عندكم الشدة والغلظة ، ووجدت عند رسول الله صلىاللهعليهوسلم الرخصة والرفق وقد أعطاني صدقاتكم.
وأما ما رواه الجمهور في شأن أوس بن الصامت ، فاختصاره : أن أوسا ظاهر من امرأته خولة بنت خويلد ، وكان الظهار في الجاهلية يوجب عندهم فرقة مؤيدة ، قاله أبو قلابة وغيره ، فلما فعل ذلك أوس ، جاءت زوجته رسول الله صلىاللهعليهوسلم فقالت : يا رسول الله ، إن أوسا أكل شبابي ، ونثرت له بطني فلما كبرت ومات أهلي ، ظاهر مني ، فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ما أراك إلا قد حرمت عليه» ، فقالت يا رسول الله : لا تفعل فإني وحيدة ليس لي أهل سواه ، فراجعها رسول الله صلىاللهعليهوسلم بمثل مقالته ، فراجعته ، فهذا هو جدالها ، وكانت في خلال جدالها تقول : اللهم إليك أشكو حالي وفقري وانفرادي إليه ، وروي أنها كانت تقول : اللهم إن لي منه صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلي جاعوا ، فهذا هو اشتكاؤها إلى الله ، فنزل الوحي عند جدالها على رسول الله صلىاللهعليهوسلم بهذه الآيات.
وكانت عائشة حاضرة لهذه القصة كلها فكانت تقول : سبحان من وسع سمعه الأصوات ، لقد كنت حاضرة وكان بعض كلام خولة يخفى علي ، وسمع الله جدالها ، فبعث رسول الله صلىاللهعليهوسلم في أوس فقال له : أتعتق رقبة؟ فقال والله ما أملكها ، فقال أتصوم شهرين متتابعين؟ فقال : والله ما أقدر أن أصبر إلا على أكلات ثلاث في اليوم ، ومتى لم أفعل ذلك غشي بصري فقال له : أتطعم؟ فقال له لا أجد إلا أن تعينني يا رسول الله بمعونة وصلاة يريد الدعاء ، فأعانه رسول الله صلىاللهعليهوسلم بخمسة عشر صاعا ودعا له ، وقيل بثلاثين صاعا ، فكفر بالإطعام وأمسك أهله.
وفي مصحف عبد الله بن مسعود : «تحاورك في زوجها» ، والمحاورة مراجعة القول ومعاطاته. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو : «يظهرون» ، وقرأ أبي بن كعب بخلاف عنه : «يتظهرون». وقرأ ابن عامر وحمزة والكسائي : «يظاهرون». وقرأ أبي بن كعب أيضا : «يتظاهرون». وقرأ عاصم والحسن وأبو جعفر وقتادة : «يظاهرون» بضم الياء من قولك فاعل ، وهذه مستعملة جدا وقولهم الظهار دليل عليها ، والمراد بهذا كله قول الرجل لزوجته : أنت علي كظهر أمي ، يريد في التحريم كأنها إشارة إلى الركوب ، إذ عرفه في ظهور الحيوان ، وكان أهل الجاهلية يفعلون ذلك ، فرد الله بهذه الآية فعلهم ، وأخبر بالحقيقة من أن الأم هي الوالدة ، وأما الزوجة فلا يكون حكمها حكم الأم.
وقرأ جمهور الناس : «أمهاتهم» بنصب الأمهات ، وقرأ عاصم في رواية المفضل عنه : «أمهاتهم» بالرفع وهذا على اللغتين في (ما) لغة الحجاز ولغة تميم ، وقرأ ابن مسعود «ما هنّ بأمهاتهم» بزيادة باء الجر ، وجعل الله تعالى القول بالظهار (مُنْكَراً وَزُوراً) ، فهو محرم ، لكنه ، إذا وقع لزم ، هكذا قال فيه أهل العلم ، لكن تحريمه تحريم المكروهات جدا ، وقد رجى الله تعالى بعده بأنه (لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) مع الكفارة.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
