المصدر بل هي جميع الموجودات ، لأن الأمر والشيء والوجود أسماء شائعة في جميع الموجودات أعراضها وجوهرها.
وقرأ الجمهور : «ترجع» بضم التاء ، وقرأ الأعرج والحسن وابن أبي إسحاق : «ترجع» بفتح التاء. وقوله تعالى : (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ) الآية تنبيه على العبرة فيما يتجاذبه الليل والنهار من الطول والقصر ، وذلك متشعب مختلف حسب اختلاف الأقطار والأزمان الأربعة ، وذلك بحر من بحار الفكرة لمن تأمله. (وَيُولِجُ) معناه : يدخل. و : ذات (الصُّدُورِ) ما فيها من الأسرار والمعتقدات ، وذلك أغمض ما يكون. وهذا كما قالوا : الذئب مغبوط بذي بطنه ، وكما قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه : إنما هو ذو بطن بنت خارجة.
قوله تعالى : (آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ) الآية أمر للمؤمنين بالثبوت على الإيمان والنفقة في سبيل الله ، ويروى أن هذه الآية نزلت في غزوة العسرة وهي غزوة تبوك ، قاله الضحاك ، وقال : الإشارة بقوله : (فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا) إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، وحكمها باق يندب إلى هذه الأفعال بقية الدهر.
وقوله : (مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ) تزهيد وتنبيه على أن الأموال إنما تصير إلى الإنسان من غيره ويتركها لغيره ، وليس له من ذلك إلا ما تضمنه قول الرسول صلىاللهعليهوسلم : «يقول ابن آدم مالي مالي ، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت أو لبست فأبليت ، أو تصدقت فأمضيت» ويروى أن رجلا مر بأعرابي له إبل ، فقال له : يا أعرابي ، لمن هذه الإبل؟ فقال : هي لله عندي. فهذا موقف مصيب إن كان ممن صحب قوله عمله.
وقوله تعالى : (وَما لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللهِ) الآية توطئة لدعائهم وإيجاب لأنهم أهل هذه الرتب الرفيعة فإذا تقرر ذلك فلا مانع من الإيمان ، وهذا كما تريد أن تندب رجلا إلى عطاء فتقول له : أنت يا فلان من قوم أجواد فينبغي أن تكرم ، وهذا مطرد في جميع الأمور إذا أردت من أحد فعلا خلقته بخلق أهل ذلك الفعل وجعلت له رتبتهم ، فإذا تقرر في هؤلاء أن الرسول يدعو وأنهم ممن أخذ الله ميثاقهم فكيف يمتنعون من الإيمان.
وقرأ جمهور القراء : «وقد أخذ» على بناء الفعل للفاعل. وقرأ أبو عمرو : «قد أخذ» على بناء الفعل للمفعول والآخذ على كل قول هو الله تعالى ، وهو الآخذ حين الإخراج من ظهر آدم على ما مضى في غير هذه السورة ، والمخاطبة ببناء الفعل للمفعول أشد غلظة على المخاطب ، ونحوه قوله تعالى : (فَاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ) [هود : ١١٢] وكما تقول لامرىء : افعل كما قيل لك ، فهو أبلغ من قولك : افعل ما قلت لك.
وقوله : (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) قال الطبري المعنى : إن كنتم مؤمنين في حال من الأحوال فالآن.
قال القاضي أبو محمد : وهذا معنى ليس في ألفاظ الآية وفيه إضمار كثير ، وإنما المعنى عندي أن قوله : وإن الرسول (يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) ، يقتضي أن يقدر بأثره : فأنتم في رتب شريفة وأقدار رفيعة إن كنتم مؤمنين ، أي إن دمتم على ما بدأتم به.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
