الكوفة وحمزة والكسائي : «بموقع» على الإفراد ، وهو مراد به الجمع ، ونظير هذا كثير ، ومنه قوله تعالى: (إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان : ١٩] جمع من حيث لكل حمار صوت مختص وأفرد من حيث الأصوات كلها نوع.
واختلف الناس في : (النُّجُومِ) هنا ، فقال ابن عباس وعكرمة ومجاهد وغيرهم : هي نجوم القرآن التي نزلت على محمد صلىاللهعليهوسلم ، وذلك أنه روي أن القرآن نزل من عند الله في ليلة القدر إلى السماء الدنيا ، وقيل إلى البيت المعمور جملة واحدة ، ثم نزل بعد ذلك على محمد نجوما مقطعة في مدة من عشرين سنة.
قال القاضي أبو محمد : ويؤيد هذا القول عود الضمير على القرآن في قوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ) ، وذلك أن ذكره لم يتقدم إلا على هذا التأويل ، ومن لا يتأول بهذا التأويل يقول : إن الضمير يعود على القرآن وإن لم يتقدم ذكر لشهرة الأمر ووضوح المعنى كقوله تعالى : (حَتَّى تَوارَتْ بِالْحِجابِ) [ص : ٣٢] ، و (كُلُّ مَنْ عَلَيْها فانٍ) [الرحمن : ٢٦] وغير ذلك. وقال جمهور كثير من المفسرين : (النُّجُومِ) هنا : الكواكب المعروفة. واختلف في موقعها ، فقال مجاهد وأبو عبيدة هي : مواقعها عند غروبها وطلوعها ، وقال قتادة : مواقعها مواضعها من السماء ، وقيل : مواقعها عند الانقضاض إثر العفاريت ، وقال الحسن : مواقعها عند الانكدار يوم القيامة.
وقوله تعالى : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ) تأكيد للأمر وتنبيه من المقسم به ، وليس هذا باعتراض بين الكلامين ، بل هذا معنى قصد التهمم به ، وإنما الاعتراض قوله : (لَوْ تَعْلَمُونَ) وقد قال قوم : إن قوله : (وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ) اعتراض ، وإن (لَوْ تَعْلَمُونَ) اعتراض في اعتراض ، والتحرير هو الذي ذكرناه.
وقوله : (إِنَّهُ لَقُرْآنٌ) هو الذي وقع القسم عليه ، ووصفه بالكرم على معنى إثبات صفات المدح له ودفع صفات الحطيطة عنه.
واختلف المتأولون في قوله تعالى : (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ) بعد اتفاقهم على أن المكنون : المصون ، فقال ابن عباس ومجاهد : أراد الكتاب الذي في السماء. وقال عكرمة : أراد التوراة والإنجيل ، كأنه قال: إنه لكتاب كريم ، ذكر كرمه وشرفه (فِي كِتابٍ مَكْنُونٍ).
قال القاضي أبو محمد : فمعنى الآية على هذا الاستشهاد بالكتب المنزلة ، وهذا كقوله عزوجل : (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللهِ) [التوبة : ٣٦]. وقال بعض المتأولين : أراد مصاحف المسلمين ، وكانت يوم نزلت الآية لم تكن ، فهي على هذا إخبار بغيب ، وكذلك هو في كتاب مصون إلى يوم القيامة ، ويؤيد هذا لفظة المس ، فإنها تشير إلى المصاحف أو هي استعارة في مس الملائكة.
واختلف الناس في معنى قوله : (لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) وفي حكمه فقال من قال : إن الكتاب المكنون هو الذي في السماء. (الْمُطَهَّرُونَ) هنا الملائكة قال قتادة : فأما عندكم فيمسه المشرك المنجس والمنافق قال الطبري : (الْمُطَهَّرُونَ) : الملائكة والأنبياء ومن لا ذنب له ، وليس في الآية على هذا القول
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
