واختلف الناس في هذا الشيء الأسود الذي يظل أهل النار ما هو فقال ابن عباس ومجاهد وأبو مالك وابن زيد هو الدخان ، وهذا قول الجمهور. وقال ابن عباس أيضا : هو سرادق النار المحيط بأهلها ، فإنه يرتفع من كل ناحية حتى يظلهم ، وحكى النقاش ، أن اليحموم : اسم من أسماء جهنم ، وقاله ابن كيسان ، وقال ابن بريدة وابن زيد أيضا في كتاب الثعلبي : هو جبل من نار أسود يفزع أهل النار إلى ذراه فيجدونه أشد شيء وأمره.
وقوله : (وَلا كَرِيمٍ) قال الطبري وغيره معناه : ليس له صفة مدح في الظلال ، وهذا كما تقول : ثوب كريم ونسب كريم ، يعني بذلك أن له صفات مدح.
قال القاضي أبو محمد : ويحتمل أن يصفه بعدم الكرم على معنى : ألا كرامة لهم ، وذلك أن المرء في الدنيا قد يصبر على سوء الموضوع لقرينة إكرام يناله فيه من أحد ، فجمع هذا الظل في النار أنه سييء الصفة وهم فيه مهانون. والمترف : المنعم في سرف وتخوض.
و (يُصِرُّونَ) معناه : يعتقدون اعتقادا لا ينوون عنه إقلاعا ، قال ابن زيد : لا يثوبون ولا يستغفرون. و (الْحِنْثِ) : الإثم ومنه قول النبي صلىاللهعليهوسلم : «من مات له ثلاث من الولد لم يبلغوا الحنث». الحديث ، أراد : لم يبلغوا الحلم فتتعلق بهم الآثام. وقال الخطابي : (الْحِنْثِ) في كلام العرب العدل الثقيل ، شبه الإثم به.
واختلف المفسرون في المراد بهذا الإثم هنا ، فقال قتادة والضحاك وابن زيد : هو الشرك ، وهذا هو الظاهر. وقال قوم في ما ذكر مكي : هو الحنث في قسمهم الذي يتضمنه قوله تعالى : (وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) [الأنعام : ١٠٩ ، النحل : ٣٨ ، النور : ٥٣ ، فاطر : ٤٢] الآية في التكذيب بالبعث ، وهذا أيضا يتضمن الكفر ، فالقول به على عمومه أولى. وقال الشعبي : (الْحِنْثِ الْعَظِيمِ) : اليمين الغموس.
وقد تقدم ذكر اختلاف القراء في قوله : (أَإِذا) ، و (إِنَّا) ، ويختص من ذلك بهذا الموضع أن ابن عامر يخالف فيه أصله فيقرأ هذا : «أئذا». «أإنا» بتحقيق الهمزتين فيهما على الاستفهام ، ورواه أبو بكر عن عاصم في قوله : (إِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) والعامل في قوله : (أَإِذا) فعل مضمر يدل عليه قوله : (لَمَبْعُوثُونَ) تقديره : أنبعث أو نحشر ، ولا يعمل فيه ما بعده لأنه مضاف إليه.
وقرأ عيسى الثقفي : «متنا» بضم الميم ، وقرأ جمهور الناس : «متنا» بكسرها وهذا على لغة من يقول : مت أموت على وزن فعل بكسر العين يفعل بضمها ، ولم يحك منها عن العرب إلا هذه اللفظة وأخرى هو فضل يفضل.
وقرأ بعض القراء : «أو» بسكون الواو ومعنى الآية استبعاد أن يبعثوا هم وآباؤهم على حد واحد من الاستبعاد وقرأ الجمهور : «أو آباؤنا» بتحريك الواو على أنها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام ، ومعناها : شدة الاستبعاد في الآباء ، كأنهم استبعدوا أن يبعثوا ، ثم أتوا بذكر من البعث فيهم أبعد وهذا بين لأهل العلم بلسان العرب.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
