يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى) (١٨)
قوله تعالى : (أَفَتُمارُونَهُ) خطاب لقريش ، وهو من الصراء والمعنى أتجادلونه في شيء رآه وأبصره ، وهذه قراءة الجمهور وأهل المدينة ، وقرأ علي بن أبي طالب وابن عباس وابن مسعود وحمزة والكسائي : «أفتمرونه» بفتح التاء دون ألف بعد الميم ، والمعنى : أفتجدونه؟ وذلك أن قريشا لما أخبرها رسول الله صلىاللهعليهوسلم بأمره في الإسراء مستقصى ، كذبوا واستخفوا حتى وصف لهم بيت المقدس وأمر عيرهم وغير ذلك مما هو في حديث الإسراء مستقصى ، ورواها سعيد عن النخعي : «أفتمرونه» بضم التاء ، قال أبو حاتم : وذلك غلط من سعيد. وقوله : (يَرى) مستقبلا والرؤية قد مضت عبارة تعم جميع ما مضى وتشير إلى ما يمكن أن يقع بعد ، وفي هذا نظر.
واختلف الناس في الضمير في قوله : (وَلَقَدْ رَآهُ) حسبما قدمناه ، فقال ابن عباس وكعب الأحبار : هو عائد على الله ، وقال ابن مسعود وعائشة ومجاهد والربيع : هو عائد على جبريل. و : (نَزْلَةً) معناه : مرة ، ونصبه على المصدر في موضع الحال. و : (سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) هي شجرة نبق ، قال كعب : هي في السماء السابعة ، وروى ذلك مالك بن صعصعة عن النبي صلىاللهعليهوسلم. وقال ابن مسعود : في السماء السادسة. وقيل لها : (سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) لأنها إليها ينتهي علم كل عالم ، ولا يعلم ما وراءها صعدا إلا الله تعالى. وقيل سميت بذلك لأنها إليها ينتهي من مات على سنة النبي صلىاللهعليهوسلم.
قال القاضي أبو محمد : هم المؤمنون حقا من كل جيل.
وقيل سميت بذلك ، لأن ما نزل من أمر الله فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة العلو ، وما صعد من الأرض فعندها يتلقى ولا يتجاوزها ملائكة السفل. وروي عن النبي عليهالسلام أن الأمة من الأمم تستظل بظل الفنن منها ، وقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «رفعت لي (سِدْرَةِ الْمُنْتَهى) ، فإذا نبقها مثل قلال هجر ، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة».
وقوله تعالى : (عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى) قال الجمهور : أراد أن يعظم مكان السدرة ويشرفه بأن (جَنَّةُ الْمَأْوى) عندها. قال الحسن : وهي الجنة التي وعد بها العالم المؤمن. وقال قتادة وابن عباس بخلاف هي جنة يأوي إليها أرواح الشهداء والمؤمنين ، وليست بالجنة التي وعد بها المؤمنون جنة النعيم ، وهذا يحتاج إلى سند وما أراه يصح عن ابن عباس.
وقرأ علي بن أبي طالب وابن الزبير بخلاف ، وأنس بن مالك بخلاف ، وأبو الدرداء وزر بن حبيش وقتادة ومحمد بن كعب : «جنه المأوى» بالهاء في جنة ، وهو ضمير محمد صلىاللهعليهوسلم ، والمعنى : ستره وضمه إيواء الله تعالى وجميل صنعه به ، يقال : جنه وأجنه ، وردت عائشة وصحابة معها هذه القراءة وقالوا : أجن الله من قرأها. والجمهور قرأ : «جنة» كالآية الأخرى : (فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوى نُزُلاً) [السجدة : ١٩] وحكى الثعلبي أن معنى «جنه المأوى» : ضمه المبيت والليل.
وقوله : (إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى) التعامل في : (إِذْ) ، (رَآهُ). المعنى : رآه في هذه الحال.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
