هذا ويقولون ظن بمعنى : أيقن ، ولسنا نجد في كلام العرب على العلم الذي ليس على الحواس شاهدا يتضمن أن يقال : رأى زيد كذا وكذا فظنه. وانظر إلى قوله تبارك وتعالى في كتابه : (وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُواقِعُوها) [الكهف : ٥٣] وإلى قول دريد بن الصمة : [الطويل]
|
فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج |
|
سراتهم بالفارسي المسرد |
وإلى هذه الآية : (وَظَنَّ داوُدُ) فإنك تجد بينها وبين اليقين درجة ، ولو فرضنا أهل النار قد دخلوها وباشروا ، لم يقل «ظن» ولا استقام ذلك ، ولو أخبر جبريل داود بهذه الفتنة لم يعبر عنها ب «ظن» ، فإنما تعبر العرب بها عن العلم الذي يقارب اليقين وليس به ، لم يخرج بعد إلى الإحساس وقرأ جمهور الناس : «فتنّاه» بفتح التاء وشد النون ، أي ابتليناه وامتحناه. وقرأ عمر بن الخطاب وأبو رجاء والحسن : بخلاف عنه ، «فتّنّاه» بشد التاء والنون على معنى المبالغة. وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر : «فتناه» بتخفيف التاء والنون على أن الفعل للخصمين ، أي امتحناه عن أمرنا ، وهي قراءة قتادة. وقرأ الضحاك : «افتتناه».
وقوله : (وَخَرَّ) أي ألقى بنفسه نحو الأرض متضامنا متواضعا ، والركوع والسجود : الانخفاض والترامي نحو الأرض ، وخصصتها الشرائع على هيئات معلومة. وقال قوم يقال : «خر» ، لمن ركع وإن كان لم ينته إلى الأرض. وقال الحسن بن الفضل ، المعنى : خر من ركوعه ، أي سجد بعد أن كان راكعا. وقال أبو سعيد الخدري : رأيتني في النوم وأنا أكتب سورة : «ص» فلما بلغت هذه الآية سجد القلم ، ورأيتني في منام آخر وشجرة تقرأ : «ص» فلما بلغت هذا سجدت ، وقالت : اللهم اكتب لي بها أجرا ، وحط عني بها وزرا ، وارزقني بها شكرا ، وتقبلها مني كما تقبلت من عبدك داود. فقال رسول الله صلىاللهعليهوسلم : وسجدت أنت يا أبا سعيد؟ قلت لا ، قال : أنت كنت أحق بالسجدة من الشجرة ، ثم تلا رسول الله صلىاللهعليهوسلم الآيات حتى بلغ : (وَأَنابَ) ، فسجد ، وقال كما قالت الشجرة. (وَأَنابَ) معناه : رجع وتاب ، ويروى عن مجاهد أن داود عليهالسلام بقي في ركعته تلك لاصقا بالأرض يبكي ويدعو أربعين صباحا حتى نبت العشب من دمعه ، وروي غير هذا مما لا تثبت صحته. وروي أنه لما غفر الله له أمر المرأة ، قال : يا رب فكيف لي بدم زوجها إذا جاء يطلبني يوم القيامة ، فأوحى الله إليه أني سأستوهبه ذلك يا داود ، وأجعله أن يهبه راضيا بذلك ، فحينئذ سر داود عليهالسلام واستقرت نفسه ، وروي عن عطاء الخراساني ومجاهد أن داود عليهالسلام نقش خطيئته في كفه فكان يراها دائما ويعرضها على الناس في كل حين من خطبه وكلامه وإشاراته وتصرفه تواضعا لله عزوجل وإقرارا ، وكان يسيح في الأرض ويصيح : إلهي إذا ذكرت خطيئتي ضاقت علي الأرض برحبها ، وإذا ذكرت رحمتك ارتد إلي روحي ، سبحانك ، إلهي أتيت أطباء الدين يداووا علتي ، فكلهم عليك دلني. وكان يدخل في صدر خطبته الاستغفار للخاطئين ، وما رفع رأسه إلى السماء بعد خطيئته حياء صلىاللهعليهوسلم وعلى جميع الأنبياء المرسلين.
قوله عزوجل :
(فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ (٢٥) يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
