ليس بجملة كما هي (أَنَ) ومذهب الزجاج أن المفعول الثاني محذوف تقديره (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً) حقا ، ورجع من خطاب بذكر الغائب إلى المتكلم بنون العظمة لأنها أهيب في العبارة ، وقوله (أَلْوانُها) يحتمل أن يريد الحمرة والصفرة والبياض والسواد وغير ذلك ، ويؤيد هذا اطراد ذكر هذه الألوان فيما بعد ، ويحتمل أن يريد بالألوان الأنواع ، والمعتبر فيه على هذا التأويل أكثر عددا ، و (جُدَدٌ) جمع جدة ، وهي الطريقة تكون من الأرض والجبل كالقطعة العظيمة المتصلة طولا ، ومنه قول امرئ القيس : [الطويل]
|
كأنّ سراته وحدّة متنه |
|
كنائن يحوي فوقهن دليص |
وحكى أبو عبيدة في بعض كتبه أنه يقال (جُدَدٌ) في جمع جديد ، ولا مدخل لمعنى الجديد في هذه الآية ، وقرأ الزهري «جدد» بفتح الجيم ، وقوله (وَغَرابِيبُ سُودٌ) لفظان لمعنى واحد ، وقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «إن الله يبغض الشيخ الغربيب» ، يعني الذي يخضب بالسواد ، وقدم الوصف الأبلغ ، وكان حقه أن يتأخر وكذلك هو في المعنى ، لكن كلام العرب الفصيح يأتي كثيرا على هذا النحو ، وقوله (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) قبله محذوف إليه يعود الضمير تقديره (وَالْأَنْعامِ) خلق (مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ) ، (وَالدَّوَابِ) يعم الناس والأنعام لكن ذكرا تنبيها منهما ، وقوله (كَذلِكَ) يحتمل أن يكون من الكلام الأول فيجيء الوقف عليه حسنا ، وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين ، ويحتمل أن يكون من الكلام الثاني يخرج مخرج السبب كأنه قال كما جاءت القدرة في هذا كله ، (إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ) أي المحصلون لهذه العبرة الناظرون فيها.
قال القاضي أبو محمد : وقال بعض المفسرين الخشية رأس العلم ، وهذه عبارة وعظية لا تثبت عند النقد ، بل الصحيح المطرد أن يقال العلم رأس الخشية ، وسببها والذي ورد عن النبي صلىاللهعليهوسلم أنه قال «خشية الله رأس كل حكمة» ، وقال صلىاللهعليهوسلم : «رأس الحكمة مخافة الله» ، فهذا هو الكلام المنير ، وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية كفى بالزهد علما ، وقال مسروق وكفى بالمرء علما أن يخشى الله ، وقال تعالى : (سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشى) [الأعلى : ١] وقال النبي صلىاللهعليهوسلم : «أعلمكم بالله أشدكم له خشية» ، وقال الربيع بن أنس : من لم يخش الله فليس بعالم ، ويقال إن فاتحة الزبور رأس الحكمة خشية الله. وقال ابن مسعود : كفى بخشية الله علما وبالاغترار ، به جهلا ، وقال مجاهد والشعبي : إنما العالم من يخشى الله ، وإنما في هذه الآية تخصيص (الْعُلَماءُ) لا للحصر ، وهي لفظة تصلح للحصر وتأتي أيضا دونه ، وإنما يعلم ذلك بحسب المعنى الذي جاءت فيه ، فإذا قلت إنما الشجاع عنترة ، وإذا قلت إنما الله إله واحد ، بان لك الفرق فتأمله ، وهذه الآية بجملتها دليل على الوحدانية والقدرة والقصد بها إقامة الحجة على كفار قريش.
قوله عزوجل :
(إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتابَ اللهِ وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْناهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٤ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3301_almuharrar-alwajiz-04%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
